|
قراءة تشكيلية
ناقصة
بعد
أنْ تقطعَ شارعَ شْبِنْراي لهاثاً ، لا تفترضْ الوصول فسلالم المبنى التي بانتظارك
ستأخذك إلى سماء مزدحمةِ الأفكارِ ، الألوان ، المواضيع ووجه الفنان التشكيلي حسن
حداد ( مواليد 1962 ) ، المبادر :
لا
تسألْني ، لقد تأثرتُ وليس في الأمر سرّ : بيكاسو ، رامبرانت بالدرجة الأساسية ،
وآخرون .
كيف
؟ وهناك مسافة بين الواحتين / المدرستين ومسافة مهمة يقطعها ببصره الحاد من باب
التكعيبية حتى أريكة الأنخاب المجيدة في مقهى رامبرانت .
موضوعاتٌ شتّى تتخطفك ، تستدرجك إلى مواقع مجهولة فتراودك أحلام ، كوابيس ، مفاجآت
حياة مزهوة بنبضها الرمزي والواقعي ، وغيوم من تهويمات لونية مختلفة تدخلك في
الدهشة .
لكن
جميع الموضوعات ، على حدّة تناقضاتها ، مشدودة إلى حركة فرشاة خالقها التي تستوقفك
هنا وتأسرك هناك ويستحوذ عليك شعور بالحيرة في بعض الأماكن .
(
مكان جريمة 120سم
× 280سم ) وهي زيت على القماش ، يصدمك طقسها الدموي البارد إذا
جاز التعبير . ذَبْحُ ثورٍ بلا دماء ! والمسيل هو ليس اللون الأحمر وإنما كتلة
بيضاء .. شلال منسكب دفعة واحدة :
في مكان قتلي وجدوا غيمةً بيضاء
أو
همسةً
من ندفِ الثلجِ ..
تلف روحي
أثناء لحظة القراءة ، التي ربما تطول أو تقصر تبعاً لقوّة الصدمة ، نسكن فضاء
اللوحة الذي هو مجموع أمكنة الأحداث والتي تبدو مترابطة بصورة مذهلة .

مكان الجريمة محجوز بشريط من النايلون الأبيض والأحمر ( بالمناسبة هذا هو اللون
الأحمر الوحيد الداخل في بناء اللوحة ) المستخدم عادة في تحديد أماكن الأشغال
والحفريات عند الطرقات ومواقع البناء لتنبيه العامة على وجودها وكذلك لإحاطة مكان
الجريمة. في المكان ، داخل الحاجز نقرأ بشراً بلا ملامح يشدّون قوائم حيوان بطريقة
محايدة حيث لا يستطيع المتلقي أن يجزم هل كان القتل يجري بأعصاب هادئة أم متوترة ؟
حيث لا تعابير ولا إشارات وعلى المتلقي أن يقترب من الصواب . أما الشخص الثالث حامل
السكين ، الجزّار ، فيبدو متوترا نسبياً أو هو في حالة من اللانسجام حيث يغرس مديته
في كتلة البياض وكأنه يشير إلى فعلته .
خارج الحاجز أي في الضفّة الأضعف نقرأ ، في مكان ثانٍ ، شجرةً على يمين اللوحة ترفع
يديها نحو السماء ربما في عويل طويل ، وخلفها تتوارى أشباح آدمية مرتعدة هي شهود
إثبات على ما يحدث وبحذر تسترق النظر . على مبعدة من مكان الجريمة من جهة اليسار
وهذا مكان ثالث للقراءة ، يطل شبح المصور بعدسته من خلال أفقٍ رصاصي وقناع ، انه
الموثق الذي لا يقبل الشك ، لا يقبل التأويلات ، لا يقبل الإضافات والقطوعات .
لقد
حرص الفنان على ترك تلك الفسحة الرصاصية الكبيرة كخلفية للوحة التي استغل فضاءها
ثلاثةُ أمكنة رئيسية ووزعها بدقة حتى كادت أنْ تكونَ أفقاً للتأمل أو للضباب الذي
يلتهم كلَّ شيء بما في ذلك اطلالة المدن التي تتراءى كأماكن مهمشة لا تشغل حيزاً
مهماً في فضاء العمل الفني .
لقد وضعنا الفنان ما بين تلاوة الإيحاء وصمت التصريح وطالبنا بقراءة متأنية لا
متعسفة لعمل نختطف منه ألوان البوح التي لا تسعف ولا تروي المتلقي السلبي بحكم
الهيمنة الطاغية لألوان مثل الكاكي والرمادي وقد استعملت بدرجات ونسب متفاوتة
في
الواقع تسيدت الكثافات اللونية أجواء اللوحة رغم الرشقات الخفيفة للرماد . ولكي نلم
بأجزاء العمل لابدّ من جمع كل الأمكنة في فضاء مكبر والنظر إليه برؤية نافذة و طاقة
تأملية تمنح أكبر فرصة للقراءة .

مكان الجريمة كجزء من لوحة ، تحمل نفس الاسم ، لها فضاء أوسع جرى توظيفه برشاقة
استعارية في ثلاثية الحرب "
D-Day
" ، زيت على القماش وهي عبارة عن ثلاثة أجزاء
والجزء الرئيسي منها (139سم
× 200سم ) ، وهو المقصود هنا ، هو الذي تحمّل هذه
المفردة المستعارة بشي من التجريد حيث تظهر ألوان أخرى غير التي صدمتنا في الأصل
وإنما نشأ اللون الوردي خجولا ليحتلَّ أكبر قدر من مساحة هذا الجزء كذلك اللون
الأبيض كأنه يسفر عن برودته . فبدت كخلفية لمكان اجتماع أو مؤتمر أو ما شابه ذلك
بالإضافة إلى اختفاء شبح المصور وعدسته وكأن الفنان يريد القول إنّ كلّ شيء يجري في
العلن ولا ضرورة للتوثيق طالما الذاكرة الجمعية ستبقى حية
صبري
هاشم
روائي
و شاعر من
العراق/
برلين
<
|