ملاحظات اولية في التشكيل العراقي
هل هي صحوة متأخرة أثارت ما تعرض له الرسم الواقعي العراقي والمقصود به ضمنا الاكاديمي من اغفال وتجاوز فيما كتب عنه في النقد التشكيلي العراقي, دون الالتفات الى المساحة الكبيرة التي احتلتها اعمال ابرز فنانينا التشكيليين لنصف قرن من الزمن والتي اشتغلت على تفعيل الواقع تفسيرا ورمزا وانفعالا بما توفر من مقدرة مهنية وثقافية لا تغفل المنجز العالمي لكنها حاولت محاورته بالوان البيئة والفولكلور وبعض منها بمساحة الاعتراض الانسانية. ما بين ( خالد الجادر) ورسوم ( فتاح الترك ) المتأخرة الكثير من تجارب الاخرين, ليس كما يتوهم البعض رسوما توضيحية او تذكارات سياحية بمهارات اكاديمية تصلح للدرس المتأخر في قاعات دراسة الفن البالية. كلنا يعرف نشأة الفن الاكاديمي بصيغته الاوربية الرسمية و بصبغته البرجوازية ودوره الرجعي في محاولة قمع كل الاتجاهات الطليعية, فن طبقة مترفة تبحث عما يدغدغ حواسها .. كان ذلك منذ اكثر من قرن من الزمن. فهل من الواجب علينا الاخذ بما عافته الشعوب الاخرى وتكريسه نهجا او اسلوبا مستحدثا ليساير اذواقا لا تتعدى مداركها تذكارات فوتوغرافية. لا يعني هذا اغفال الواقع في صياغاته الكثيرة فيما استجد على مدار الازمنة الماضية من بحوث وطرائق اساليب مستجدة دوما والتي كرست جزئيات معينة منه لما يخدم تصوراتها ويعمق من دلالاتها, ربما تفكيكا او انتقاءا او تحويرا, او تكريس المهارات العالية قيمة فنية او نفيها لصالح مستجدات دلالت البحث .
في زمننا هو شيئ طبيعي ان تتجاور كل اساليب الفن في مهرجانات العرض العالمية. تجد اعمال الفوتو والاعمال التشكيلية التقليدية ووسائل التعبير والاداء المتنوعة من تجميع وانشاء في فضاء , كلها منتجات فنية متداولة. ويبقى للنقد والامتياز كلمته الخاصة. انها نتاجات العصر وللمشاهد حريته الخاصة في التجوال بطول مساحة زمنه.

عن الاثر ( الاثار الموروثة) هل بامكاننا اغفالها, وهل بامكاننا تفعيلها استنساخا روحا وقالبا كي نحقق هويتنا الفنية. سؤال جديد قديم يتكرر دوما وعلى امتداد البلدان العربية. كان يشغل بال الاوائل وبقية معظم الفترات الاخرى ان لم تكن كلها, كما كرسه الوسط الرسمي قضية. هي قضية تذكرنا بما ذكرناه عن الفن الاكاديمي الاوربي وصراعه الرجعي ضد الاساليب الحديثة وحتى تلك التي اشتقت منه وتجاوزته بمستجدات الاكتشاف والسلوك والمزاج. يبقى امر مباح اكتشاف الاثر بمنظور جديد وبمقدرة اسلوبية توسع من مساحة التجربة ولا تبتعد في نفس الوقت عن نبض العصر. كما هو امر مباح ومشاع اختلاس النظر او التعمق بكل المنجز الفني العالمي والاستفادة منه في خلق مناخات خاصة تجاور مناخات اخرى. منذ حقبة التاريخ الاولى السومرية وما عاصرها من حضارات اخرى يبقى الاثر الانساني المعرفي والذي جزء منه اصبح ما يدعى بالفن , يبقى متنافذا جوالا في الجغرافيا والتاريخ محافضا على خصوصية عصره الذي انتجت فيه قيمه الجمالية والدلالية . هو اداء لطقوس او استعراض قوة ومهابة دولة وغيرها من الاغراض المرتبطة بزمنه اختلطت فيه الغريزة والتعويذة وفسر من خلاله ما غمض عن انسان تلك الحقب وقوانين الطبيعة.
كانت لسومر وما بعدها من دول الحضارات السابقة انجازاتها الفنية اللصيقة بها. هل علينا استحضارها وبأية شروط, شروطها الخاصة ام شروطنا. وهل لزاما علينا ذلك, هذا لا يعني عدم اختلاسنا النظر اليها مثلما نختلس النظر لأي منتج حضاري سابق او حالي وبمحض ارادتنا النابعة من شروطنا التي بالتأكيد هي مصدر حريتنا. يبقى السؤال الاهم .. من نحن ولاية حضارة ننتمي الان. والان هو زمننا المتسارع الفاعل المعاش والمراوغ في كثير من تفاصيله. ما مضى يبقى في حكم الاستذكار والمقارنة المحدودة, فقد استنزفته اجيال الحداثة الغربية والشرقية التي بدورها اخذت طريقها وباسرع مما يتصور الى المتحف. ومن اجل القبض على نبض زمننا المخاتل هذا لم تعد اساليبنا المرقعة التي ارتأيناها زمنا صالحة للتداول. علينا اكتشاف انفسنا ومحاورة واقعنا الذي يستتر خلف العديد من الوقائع وجلها ان لم تكن كلها لا تتعدى مصالح براغماتية متتنوعة. ان يكن السومري حقق وسائله التعبيرية الخاصة وتصالح مع زمنه وبيئته, علينا اكتشاف وسائلنا ايضا الموازية للاخرين. بالتاكيد لسنا بمفردنا نصنع ذائقة العصر , وسائل زمننا هذا تتسع رقعة الارض كلها, ما يعوزنا هو كيف لنا ان ندلي بتفسيرنا المعاصر الموازي لتفسير فئات سكانية اخرى بجغرافياتها المتعددة .
لنا في التجربة التشكيلية اليابانية المعاصرة مثل بارز في الانفتاح على كل المدارس والاساليب العالمية دون ان تفقد بعض من انتسابها لمنطقتها الجغرافية حسا ولونا, مع استفادتها القصوى من موروثها التقليدي التشكيلي رسما وحفرا وفنونا تطبيقية. لقد تمعن جيدا الفنان الياباني المعاصر بكل طرق الاداء الاوربية والعالمية الحديثة والمعاصرة التي بقدر ما تلتحم بادائه تشكل في نفس الوقت نسيجا متجانسا يحافظ على نكهته الخاصة التي لا تخطأها العين الفاحصة ( الحساسية الفائقة, العائلة اللونية والسايكولوجية, الاستعراضية الفنتازية في العديد من اعمال الانشاء والتجميع والفديو والسينما وحتى في اعمال الجسد). مثلما تأثرت المدرسة الانطباعية الاوربية والتعبيرية قبل ذلك باعمال الحفر والرسوم التقليدية اليابانية, تأثر الفنان الياباني بعد ذلك باالانفتاح على كل المنجز التشكيلي العالمي وبما يناسب مزاجه الخاص. هذا المثل الحضاري الواضح يدلنا على ما اصابنا من خلل لسنوات التشبث باوهامنا الخاصة, حنينا الاعمى للقدم على قدمه التذكاري وترقيعه انتقائيا بمستجدات الحاثة الاوربية.

ما اكتسبته الفنون الاسلامية في عصور ازدهارها الكثير من نتاجات شعوب عدة, فارس ودول اسيا الوسطى والانظول والتراث اليوناني المدون وغيرها. لم يجد الفنان المسلم حرجا عن الاخذ من كل تلك المصادر الحضارية والتعامل معها بما ينسجم وفكر وسلوك عصره الذي تحول بالتدريج الى تراث سائد ومشع على ما حوله. فهل نكتفي بالاقتباس والترقيع منه بحجة الهوية ونحن على مبعدة قرون وقرون وبما صاحبها وصاحبنا من تغيير ومستجدات حضارية علمية وسلوكية. هل يصلح هذا الاقتباس للتعبير عن كل ما اصابنا من قهر وتفتت واستلاب في زمننا هذا. فهل من واجبنا تفعيل مناطقه الجمالية وترف زخارفه وخطوطه التي اوصلتها مجاجيع الفنانين العرب ولاكثر من نصف قرن حد الهواية وتقطيرها جرعات تدغدغ احاسيس الامراء وقطاعات واسعة وبموازات اعمال الفولكلور التي تبقى حسنتها انها اكثر اصالة( بحدود منطقتها الخاصة) والاغفال عن البحث ايضا في صميم تراث البشرية الحالي وصولا الى اكتساب حريتنا في مجال التعبير عن ذواتنا . من اجل كل ذلك علينا نبذ عاداتنا التي داهمتنا في غفلة مسيسة, فمساحة التعبير التشكيلية في زمننا هذا لا حدود لها , مناطق اكتشاف ومواد تنفيذ تقليدية جاهزة ومصنعة ومكتشفة.
ان كانت محنتنا قبر جماعي او حطام قصف, لاتكفيه خامة اللوحة وصبغتها. علينا اكتشاف معادل فجائعي يدين ويفسر ويدل على هذا الفعل الخارق والغير معقول في زمن يكرس الانسان مالكا لحريته الخاصة التي لا يجب المساس بها. فكيف بابادات جماعية.

لا يخضع فن الان لشروط الاسلاف بقدر ما يخضع لحريته الخاصة وعلينا الاستفادة من مكتسبات البحث الفني المستقل الذي هو جزء من ذائقة الحاضر , في جزئياته لا ينفصل عن تنوع الجغرافيا والمزاج. مثلما تنافذت فنوننا القديمة في عصور ازدهارها , علينا ان نتنافذ وفنون العالم من اجل امتلاك مقدرتنا الخاصة في التعبير عن انفسنا, ليكن لنا كذلك صوتنا المسموع وسط ضجيج الاصوات المتنوعة الاخرى, بما ان شيئا ما يسكننا جيناتا , سوف بالتاكيد يدلنا على اختلاف ما في تفاصيل معينة عن الاخرين, ليس قطيعة , بل تنوع , في زمن تبقى فيه الاصوات المتنوعة هاجس البشرية الامثل.
كان لجيل الستينات ( بما انه مصطلح ركبنا) في التشكيل العراقي ثورتهم الداخلية التي اكتسبوها من فترة الحرية الاولى. ساهمت الثقافة المطبوعة والاطلاع المباشر الاوسع من السابق وبما صاحب تلك الفترة من ثورات عالمية متعددة ( الطلاب والنساء) وكان التشكيل العراقي القطب الاكثر حيوية وقتها, دون اغفال بعض من التجارب العربية المنتقاة. كانت لأسماء مثل( كاظم حيدر, اسماعيل فتاح , محمد مهر الدين , صالح الجميعي وسعد شاكر) وغيرهم رنين خاص لا يكتمل الا بسابقهم (شاكر حسن ال سعيد). لو جمعنا نتاج هؤلاء الفنانين , النتاج الابرز, لدلنا على عمق التجريب الجاد لاكتشاف طرق الحداثة العالمية والجهد المبذول لمحاورتها ذهنيا ومن داخلها. هذا لا يعني انهم اكتشفوا صفة التفرد المطلق خاصتهم, رغم امتلاكهم لبعض منها بقدر مشروعية بحثهم. نحن الان على مبعدة عدة عقود وبما توفر لنا من حرية مطلقة في التعبيرهي من سمات عصرنا, لو تجاوزنا الاجيال التي ينظر لها بالقديمة والتي تواجه قطيعة ظمنية من الاجيال الاحدث التي تنظر بريبة لمنتجهم مبررة بمستجدات طرائق التعبير المستجدة دوما. نرى انه اذا كان الستينيون (مثلا) ركبتهم عادات طرق ادائهم, لنا الحق في ان ننتظر من الاجيال الاحدث ثورتهم الاسلوبية وتفسيرهم الموازي لزمنهم الصعب. ننتظر صوتهم الخاص الموازي لتعدد اصوات الزمن الاني, زمن الحرية والفضاء المعلوماتي المتسارع المباح. نأمل ونتوقع اكتشافات مناطق تعبير واداء لا تخطر على البال, فما مر بنا ايضا لا يخطر على بال احد, لم تعد اللوحة ولا التمثال هما المجال الوحيد المفضل الان في مجال اداء العمل التشكيلي.
............................................................................... >
علي النجار
نشرت في صحيفة الزمان
18 .11.2003