|
-1
بغداد نهاية الستينات وبداية السبعينات كان الوسط
التشكيلي العراقي يمور بتجارب فنية عديدة
تستحق
التأمل والتدقيق في نتائج نتاجاتها التي كانت مطمئنة باحساس اكتمال شروطها الريادية
وكفايتها الفنية.
كان الفضل لجواد سليم في استيقاض ذاكرة النحت الغابرة واشاعة ذائقة مستجدة لم
تقوى حقب الحجب والصمت على طمسها , ثم جاء جيل نحتي جديد سالكا سبله البرونزية
ذاتها او للحد الذي يتيح له فسحة من اللعب على حدود محاورها . وكان ان كرس اسماعيل
فتاح الترك
البرونز نتاجا محليا ما لبثت امانة بغداد ان تبنت بعضه في مصهرها الذي كان النحات
مكي حسين احد فرسانه
.
اوقات
سعيدة !!
2- حاول
النحات مكي اجتراح تقليد فني جديد في بداية السبعينات بانشائه محترفه النحتي الخاص
والذي كان مشرعا لثلة اصدقاءه الفنانين بهاجس ارساء هذا التقليد الذي اختفى من
الساحة الفنية العراقية بعد يتم محترف الفنان الرائد حافظ الدروبي مع اختلاف الهاجس
والنيات. لقد تعلمنا من هذه التجربة وقتها وانشأنا محترفنا, مرسمنا, انا والفنان
ضياء حسن الشكرجي, في الفترة ذاتها. وكان لنا بيان افتتاحي مدون , في ذلك الزمن حيث
تعددت البيانات للجماعات الفنية المتعددة, لكننا اكدنا حينها على المسعى الاحترافي
لهكذا مشروع ومثلما كان في نية الفنان مكي ايضا وكون هكذا مشاغل تساعد الفنان على
تفعيل قدرته الفنية وحصيلته الثقافية والاجتماعية في
آن واحد.
تم ذلك في فسحة من زمن كان اخف وطأة وقبل الطوفان العراقي وهجر المحترفات..
3- في
زحمة التنظير الفني والمثابرة على تفعيل ما تيسر من مفاهيم قابلة للتفسير بوسائل
فنية , كان جيل النحات مكي حسين في تلك الحقبة يلاحق الحدث السياسي المضطرم حينها
ومن اجل تفسير موقفهم ابتكر كل منهم ما يناسبه من اساليب تعبر بحيز ما عما يجيش في
نفوسهم , وكانت لكل مجموعة اساليب متقاربة تتماشى مع محركاتهم الثقافية المحلية
والعالمية , كماكان الاختلاف الاسلوبي لكل مجموعة موازي لنظائرها العالمية مع ولع
لاستلهام لون او مفردة محلية منتقاة بعناية لتناسب غاياتهم واعتقد انه من هنا جاء
هذا الاختلاف الواضح في المشهد التشكيلي العراقي ولا يزال في بعض منه. وكان لقاء
مكي مع ضياء العزاوي وصالح الجميعي وطارق
ابراهيم مثمرا في العديد من حصيلة تجاربهم التي توزعت معارضهم العديدة.

4-
قدم مكي اعمالا لفتت اليها الانتباه على قلة التجارب النحتية في تلك الفترة الزمنية
.
لقد انصاعت هذه الاعمال وبيسر لقدرية لاحقت صانعها فيما بعد
،
شخوص تحاول اختراق حواجز عصية على الاختراق مستكينة على حافات نوافذها ,اطرها, او
حيزها في حدوده المباحة. شخوص تستمني بوحدانيتها , رقيقة اليفة في دوامة توحدها,
يكمن خلف استكانتها الواضحة كم من جيشان غريب يلفه غموض محيّر . لم تكن شخوصه النحتية مؤسلبة مثل
اعمال النحات جياكومتي, ولم تكن متعافية مثل شخوص ,اشور, كانت هجينة من كل ذلك ,
وكان مكي يمتلك قابلية تحريكها للمكان الذي يعتقده مناسبا لمقاصده, ليس كلاعب
الاكروبات رغم توفر عتلة اللعب المؤطرة , بل بما يوازي فضاءات مصممة على قدر
فاعليتها الدلالية والاستيتيكية. احيانا ما تتدلى سيقان هذه الشخوص من الاطار
بموازات انسيابية امتداد اذرعها لتشكل هياكل مهادنة او مستسلمة لقدرها وثمة ضياع
عفيف ينبثق من صميم هذه الكائنات البرونزية.
لقد
ترك النحات اثرا ما على سطح مساحة النحت العراقي الرجراجة خلال اقامته التي اصبحت
مؤقتة في موطنه الاصلي وغادر متسللا من بوابة الهروب الكبير في
العام1979
, ولولا عدم اختفاء بعض من مصورات اعماله لكان اثرا ضائعا ضمن ضياع العديد من
التجارب الفنية الاخرى في قادم ايام العراق.
بعد حوالي ربع قرن من الزمن طالعتني تجربة غربة مكي الفنية والتي لا تنفصل عن
الشخصية بالنسبة لنحات فقد وسائله ووسطه الحاضن وما يوفره من دعم
لمواصلة
الطموح بادوات تنفيذية امتلكت حواسه وقدراته وباتت تعيق منافذ كوامن ابداعه التي
تلبستها, وما بين الطموح والامكانيات قبعت احلام مشاريع كانت تدوم في وجدانه منتظرة
زمن يُيَسر
لها الإنفلات.
لم يكن النحات والانسان فيه يتهادن مع ظروفه المعيقة, لقد استمر يدون سيرته الاولى
بالنزر اليسير الذي يقتنصه بمشقة. من هذا العسرتشكلت اعمال مكي المغتربة تحمل طابع
اغترابها اللجوج. لم تكن هذه الاعمال كسابقتها بذلك الانبساط المذهل. انها الان
مثقلة بانكسار واضح , تحاول التشبث بجذورها انا وانا اخر تحاول الانفلات, فبدل ان
تتمتع باسترخائها سقطت متشنجة من عليائها نافرة متمردة مجرحة حتى الصميم, مسحوقة
حتى وهي تصارع ريحا. لقد تجذر الفعل الدرامي اكثر وتيتمت تلك السلاسة المبهجة
للنظرفي خضم عالم تتقاذفه محن السياسة الهوجاء التي اخترقت مساحة الابداع الفني
الوجداني الذي تقمص مكي منذ نشأته الاولى, وبقي هذا الفنان المؤرق بامتلاك الانسان
لحريته يبحث عن حريته الخاصة وسط ركام العبث الاخلاقي الذي يحكم اغلاق فضائه الاول
.
<
……………………………………………………………………….
|