ما بين حرب وحرب تذكارات لا تنسى

 

    ورقة مطوية اوصلها لي الشاعر عدنان الصائغ من العراق في زيارة لبلده العراق بعد سقوط الطاغوت, تنوء بما لا تحمله من حروف ومفردات نصوصها المختزلة حد اعياء مرسليها بما تنوء به ذواتهم. مسالك حروفها التي حرثت بلهيب ضوء الفانوس الذي لم يحتجب ببركات ازمنتنا المتهالكة والتي لا ندري متى تندثر ذبالة ما تهالك من بقايا هياكل فوانيسنا ونفوسنا. مسالك عسيرة على البوح, سريعة العطب, بسحرها توحدت عقود وعقود وبما تشضى من بقايا تنتظر الموعود من اللا عودة. هل هي هجرة للمجهول يسطرها اصدقاء سكنوا دواخلنا. ام هوهم بعض اناس لا يحصيهم العد اندرجوا على امتداد مساحة ايام هجراتنا الداخلية والخارجية.. الورقة مطوية الى اربعة اقسام لا مظروف يحتويها ولا صندوق بريد يوصلها, لا شيئ سوى ضرافة مدونيها, الناقد التشكيلي (سعد القصاب) تبعه اصدقاء اخر, فنان وناقد وشاعرو.. افئدتهم سبقت مداد حروفهم. رسالتهم الممهورة بتواقيعهم احالتني الى التباس في كيفية قياسها بما يناسب مقاسها. هل هي من بقايا جبهة حرب عرف اغلبنا محنها المعاشة واللا منظورة الادهى والاعصى على الشفاء ام هي بوح عواطفنا الدفينة الموروثة من اساطيرنا المدونة والمحكية التي نأمل ان لانورثها . ام هي هجينة من كل ذلك. على كل لا ادري لم تحيلني كل ما قرأتها الى زمن الحرب الكونية. ربما هي نعمة اتاحها لنا هذا الجهاز الاسطوري (الكومبيوتر) والذي بكبسة زر منه ندخل عوالم هذه الاكوان المشاعة الملتهبة التي عاثت بها الحروب او عوالم اكثر صفاء وهناء نأملها لأناسنا في عصورهم الجديدة

    اثار اهتمامي مادونه الفنان (يحيى الشيخ) عن لوحة الحرب التي ابدعها الفنان الروسي (يفسيني مايسنكا) . الاثارة تكمن في التأني في اخراجه للعمل بالشكل النهائي الذي استغرق عشرون عاما, بعد اعداده للدراسات الاولية التخطيطية ودراسة نماذجه المختارة حسيا وسايكولوجيا وقابيلته على استرجاع محنها واهوالها. لقد قاده هاجس مسؤليته الادبية الفائقة لتنفيذ ثلاثة اعمال متكاملة قبل ان ينجز العمل الاخير الاكثر اثارة والاقدر تعبيرا

   الأثارة هنا تكمن في الكيفية التي استطاع بها هذا الفنان ان يحافظ على زخم انفعاله الاول لكل هذه الفترة الزمنية رغم تقلبات ازمنته ومستجداتها. الا يعني هذا ان ما يصيبنا من خسارات وانتهاكات وعدوان وقمع تبقى اثارها اخاديد عميقة تتكلس رواسبها في اغوار وعينا ولا وعينا للحد الذي تستعصي فيه على الترشح من مساماتنا الى الفضاءالارحم. في محاورة مع دكتور للامرض النفسية هنا( في السويد) عن طريق علاجه لاثار الحرب والتعذيب    ( وما اكثر هذه الاثار على معظم اللاجئين في هذا البلد) , اجاب الرجل .. ادعهم وبأثارة بسيطة يهدرون كبتهم شيئا فشيئ ربما يستغرق ذلك لأكثر من خمسة سنوات او لما لا نهاية

 

 بما اننا كعراقيين مسالمين وغير مسالمين مثل بقية الشعوب التي يتشكل كل فرد منها بما توفره ظروف تربيته واقتصاده وبيئته و.. لم يسلم اي منا من ظرر الأزمنة السابقة بكل افتعالا وغلوها. وبما اننا شعب امتلك حساسية وجدانية فائقة هي جزء من موروثه التاريخي والفولكلوري الذي لا يزال يقود حتى خيرة مثقفينا ومبدعينا على اختلافهم الى ارق مناطق الابداع العالمي والثقافي. اجدني هنا امام حيرة في تبرير القصور الواضح في التعبير عن محننا ومنها الحروب والقهر السياسي والانساني , من قبل الغالبية الكبرى من فنانينا التشكيليين. ربما رقتنا الشفيفة القابلة للعطب السريع تصبو لفترات زمنية متأنية لكي تفصح عن مكنوناتها بالشكل الذي يقنعنا ويشفينا من رواسب هي الأعصى على العلاج. ربما نحتاج لاستراحة متعب او مهزوم حرب لا ناقة له فيها لا جمل . ربما ننتظر ندا للرسام (يفسيني مايسنكا) او (بيكاسو) زمننا او(سيكيروس) الحرب الاهلية المكسيكية. لم يكن الفنان الثاني او الثالث بحاجة للانتظار او الاعداد الطويل. لم تترك لهم مكوناتهم الثقافية والعاطفية ولا طرق اداءهما المستحدثة والموروثة فسحة للانتظار والتأمل واعادة الصياغات. بل كانت اندفاعاتهم هي الكثر توهجا. مثلما هزالفعل المأساوي للجيرنيكا الكوامن الانسانية والكره العاصف للشر الفاشي (بيكاسو) هز قمع الثورة والقتل المجاني لخيرة ابناء المكسيك (سيكيروس(

  يخاطبني (جواد الزيدي) في الرسالة المطوية (..الجهات لا تعني مفتوحة تماما الا لذاتها..نحن الذين ندور بها نفتش عن منافذ تؤدي الى جحيم اكثر عنفوان فاختار كل منا جهته.. فاعلم ان هناك اشياء تستحق البكاء الوطن الأهل الحبيبة. لا تعرفني بالتأكيد ولكني اعرفك...). اجد ان اختيار العزيز (جواد) اختيارنا كلنا من بقي منا ومن هاجر, اننا ورثة موروث لا يهاجر صاحبه حتى لو رحل لاقاصي المعمورة. لقد اجاد (باث) في اساطيره المكسيكية الحديثة ودلنا على بعض من مكوناتنا السرية. يهاجرنا الفعل احيانا لنزعتنا العاطفية التي لم تسلب قدرتها على التمكن منا حتى مصائبنا وخيبالتنا واحباطاتنا لعقود وعقود.. تشكلت اقدارنا على حافة التاريخ واستلبتنا دوامته الاعنف بقصد وبدونه وعلينا الاستدلال عن اصدق واصح النوايا والسبل لاستيقاضنا والمجاهرة بنوايانا الطاهرة فالعالم لم يعد مغلقا ولا لغزا لحد الاعجاز. لنفعل معارفنا ونخصبها بمستجدات العالم الذي لم يعد شاسعا ولنقرأ جيدا سبل الأداء المستجدة ولنبتكر فكل ذات هي ابتكار بذاته.الفرد فاعل كما المجموع, وسبل واساليب التعبير ذاتية ومن ذاتيتها تنبثق فرديتها او فرادتها. لم يعد الاستعراض والتعقيد هو المفضل في زمننا . البساطة والعفوية والسحر المنبثق منهما وشساعة مناطق تفعيل الاداء بنا متوفر من مواد اولية مصنعة او جاهزة او طبيعية او مبتكرة , وبما ان حروبنا الخاسرة اهملتنا والحروب كلها خاسرة, بامكان اشلائها او مهملاتها االمتناثرة وحتى ملوثاتها ان تمدنا بكم كبير من مواد اولية صالحة للتعبير باعمال فنية عن فواجعنا. الخسارة هي خسارة والأ ستدلال عن الجرح او الخدش او الصدمة او القتل بما يوازيه من استجابة الحواس المتحفزة لالتقاط اشارة العنف المجاني وبثها شفرة ردع تتجاوز البشاعة لنقيضها

  

غرمنا كثيرا بالأسلوبية الفنية كما لقنت لنا نحن جيل الستينات وما بعدنا, اخذتنا التفاصيل والألوان و اغرمنا بالتنظير لاثبات الوجود والأختلاف. تفاخرنا بانجازاتنا ما تم منها وما لم يتم واستسغنا اسطورتنا حد القطيعة مع بعضنا بما تم من انجاز واضح في بعض من مفاصل الفن التشكيلي العراقي والعربي او التنصل منها والتماهي بتجارب عالمية تحمل سمات معينة خاضعة لشروطها الخاصة لا استيعابا لها بل تقليدا فجا يبعد الاخر عن تقبلها منجزا متفردا. ثمة فئة ثانية تشكلت اساليبهم في العراق قبل مغادرته وظلوا سنواتهم اللاحقة يجرون تنويعات على اسلوبيتهم ذاتها رغم تراكم تجاربهم بالرغم مما يزعمونه من قطيعة مع جذرهم المؤسس ذاته. ليس الامر تعميما بقدر ما نلفت الانتباه لتجارب معينة كثر الضجيج حولها داخل العراق و البلدان العربية.

       جاءت اجيال تشكيلية عراقية اخرى او هو جيل تطاول زمنه منذ بداية ثمانينات القرن المنصرم وللان, تشعبت سبله وانثلمت او تاكلت الاسلوبية الوردية على مدار زمنه المتطاول , وعلى من تبقى من فرسانه ان يبحث عن ذاته التائهة بما يسند قامته دون الاستعانة باحد غير هاجسه وصوت دواخله وبما توفره عدته الثقافية والمهنية بعد انقشاع غمة الحصار والمصادرة. سحر صنعتنا يكمن في الصدق المطلق وذواتنا تنشطر مادة وطيف

   هناك تباشير خيبات تبدو لنا نحن المغتربين المشتغلين في العمل الابداعي بانواعه المختلفة. الخيبة فيما يراه بعض اقراننا في داخل بلدنا العراق من تعالي لا موجب له ومن استهانة لا مبرر لها باعمالنا او نوايانا. من هنا نرجوا التمعن في ظاهرة الاغتراب العراقية بشكل شامل. هل هي حاصل محض رغبة للابحار والتغرب الطوعي . او ماذا؟ السؤال الأهم. وهل عجز العراقي المغترب, والمغترب برأيي مفردة غير مناسبة لمعرفة القاصي والداني باسباب هجراتنا. فهل عجز عن التواصل مع اناسه واحبته وجمهوره العراقي. ان تكن هناك نوايا مبيتة اوفهم ملتوي فلنطرح وجهات نظرنا ولنتحاور ثقافيا ومهنيا ولنسترد ايامنا التي تلبستنا منذ مغادرتنا ولا يمكن شطرنا كما لا يمكن ان تنشطر الذات الواحدة.

.........................................................................................................

  علي النجار                                                                                                            >

  نشرت في صحيفة الزمان في(  4004  .03  .22   ) مع اضافات مناسبة