مساحة جديدة للابداع في فضاءات المدن

النحت العراقي بأنتظار لمسة حنين وسلام

 

   بما ان الخراب اصل محننا , هل بالامكان اصلاحه بما تيسر مما تبقى في ذواتنا من مقدرة على الرفض. وجع لا يزال يحفر اخاديده في العمق. هوة تدعونا الى ردمها, بما ان كل زاوية من زوايا مدننا تخزن تذكارات عديدة من الرعب الذي نأمل استأصاله منها في قادم من ايامنا

     هي دعوة او وقفة للتأمل والمبادرة من اجل العمل على ارجاع الصفاء الى نفوسنا اللائبة. لنحص عدد تماثيل الطاغية التي تحطمت ولنجمع حطامه البرونزي الثمين من اجل مشاريعنا القادمة, هذه الموادالتي بذرت سابقا من اجل تمجيد الرعب بالامكان تشييدها هياكل للادانة او هياكل للفرح الانساني الذي استبيح بفضاضة لامثيل لها,او انشائها زوايا الفة تتناغم ومحيطهاالذي نأمله ارحب واكثر صفاء

     هو سؤال يفرض نفسه مجددا بعد كل ما تهدم من تماثيل ومنحوتات الدكتاتور وقبله الجنرال مود ولعبة تمثال الملك فيصل الاول في الصالحية. هل بامكاننا اعادة الكرة مرة ثانية في ايامنا القادمة ونصب انصاب اخرى لزعماء او قادة او اي كان . بمعنى ما تهيئة فراغات مدننا المعمارية لاطلالة اخرى لا نعرف مدى صمودها لتواريخنا المتداولة القادمة. هل خلت ساحة الفن والمعمار من منافذ اخرى للتعبير الفني وألفة الانسان ما عدى هذه الفرجة الضيقة التي خلفتها هيمنة السياسة الشمولية التي ارهبت الناس بأنصابها الفجة الثقيلة الضخمة, لننتهي من استعراض المهابة والسطوة الفارغ هذا

   

 اوصلتني رحلة الغربة الى مدينة (مالمو) السويدية وكلما هممت عبور نهرها الصغير متجها الى محطة القطار واجهني في جانب الجسر المقابل منصة متواضعة انتصب فوقها نحت برونزي لبندق بماسورة ملتوية مكتفة , اعلان متواضع وواضح لنبذ العنف. لم تفرد له ساحة واسعة كونه جزءا لا يتجزأ من ارث اخلاقيات اناس هذه المدن . ما اكثر اسلحتنا المهانة, هل بالامكان ان نصنع منها نصبا لادانة التسليح والحروب العشوائية وان ننبذ اخلاقنا التسليحية التي ابتلينا بها ولنتعض مما اصابنا من  دمارحروبنا العبثية. هل بامكاننا تكتيف او تفتيت وحجب هذه الكتل المعدنية من اجل تعطيل مفعولها معنويا قبل ان يكون ذلك عمليا. ( هي دعوة لفنانينا للمساهمة في انشاء سلمنا الذي نرتجيي). ما اكثر الزوايا الاليفة هنا في هذه البلدان بأشيائها وتماثيلها. لم ينسى مخطط المدينة هنا اناسها. حينما نصب تمثال متوسط الحجم في فراغ مناسب وسط مجمع سكني, كان هناك استطلاع لسكان الحي حول كون هذا العمل يعيق انسيابية الحركة وهل هو مناسب وينسجم مع محيطه, حتى الاطفال وجدوه ممتعا. لم يكن التمثال معجزا , كان على شكل كف في وضعية تشبه الكنبة وجده الاطفال حيزا للاستراحة واللهو ووجده الكبار قطعة فنية تزيين الفراغ ولا تفترسه.. في حديقة تمتد لمسافة لا بأس بها كأنها ممر اخضر وسط مجاميع سكنية قريبة من سكني, نصبت مجموعة احجار باحجام مختلفة لم يتعب النحات في تشذيبها وربما لم يمس بعضها, نصبت وسط ثييل هذه المساحة الخضراء على شكل بيضوي وبنسق يكاد يكون عشوائيا روعي في ان يكون للحجرين الاكبر حجما مكانا مميزا من اجل شد عين المشاهد ولاسباب تتعلق بالمغزى الذي ربما يكون اسطوريا. بعدها تركت كما هي ولم يشذب الثيل الذي يظمها الا للحد الذ يصبح به عائقا للنظر تماما. لقد تحول العمل بمجمله الى دغلا حجريا مموها بخضرة الطبيعة.. الامثلة كثيرة في توظيف الافكار والمواد الطبيعة فنيا, المهم في كل ذلك ان لا تقمع او تتجاوز على محيطها بل تكون منسجمة ومتممة لبيئتها وفي نفس الوقت لا تتجاوز على مشاعر واحاسيس الناس التي وجدت اساسا لتهذيب بيئتهم ولمسرتهم

  

  من اجل تجاوز ما تبثه منحوتات الاشخاص من صدمة تحيلنا لموروث الأرهاب السلطوي , وان كان ولا بد من ان نكرم مبدعي ارثنا الثقافي , فليكن ذلك لا  مثل اعمال النحات (خالد الرحال) المبالغ في ضخامتها النصبية. بل لتكن منحوتات باحجامنا الطبيعية لتكون اكثر انسانية. او اعمالا نصفية تتواجد في فراغات مناسبة من اماكن او مؤسسات الثقافة و العلوم  وغيرها من دون ان تتجاوز على معمارية المكان. بما انها تمثل اشخاصا بعينهم من المفروض ان تتوفر فيها مقدرة ابداعية تتناسب والأثر . لقد اخذنا كفايتنا من الانصاب النحتية المؤدلجة السابقة وعلينا اكتشاف ارق نوازعنا الانسانية من اجل بثها على مساحة الوطن 

   مزهريات

...............

    في سنوات الحرب العراقية الايرانية جذبت انتباهي تلك المزهريات الغريبة التي كانت تزيين غرف جلوس الكثير من الناس. شكل المزهرية يكمل باطنها من الزهور, هي اما من السيراميك او الزجاج بانواعه. اما هذه المزهرية المعنية فهي غلاف اطلاقة المدافع المعدني بكل احجامه. لا اعرف لماذا توحي لي بمضلات مصابيح المناضد التي ابتكرتها عقلية النازي من جلود رؤس الاسرى المعتقلين في زنازين الموت, الاثنين من مخلفات الدمار البشري ولا يمكن بشكل من الاشكال ان توظف لمساحة الجمال هذه

    بما ان الاسلحة ومخلفاتها هي من نفس مكونات تماثيل الطاغية المعدنية. وبما نها اصبحت الان (خردة), بالأمكان احالة جزء منها الى متحف مفترض لمخلفات الارهاب والحروب, مع كل الوئائق الممكن الحصول عليها سواء الورقية او الفلمية او ادوات التعذيب واجواء غرفها. هذا اولا, اما ثانيا فبالأمكان خزن بعضها من اجل ان تكون متوفرة للاستفادة منها في اعادة تصنيعها لمشاريع النحت المستقبلية والتي نطمح ان يساهم فيها خيرة مبدعينا الفنانين سواء منهم من في الداخل او الخارج. ونحن على علم بان هناك الكثير من المشاريع الطليعية المؤجلة. تخطر في ذهني الان بعض الاسماء الفنية في هذا المجال والتي اغفلت بعد تغرب معظمهما وما لافكارهم ومصغراتهم التي اشتغلوا عليها في الزمن الماضي من الاهمية في تحريك الذهنية الفنية بعد انفتاحها على مساحات تعبير واداء اوسع, منهم المرحوم ( صالح القرغولي) و(طالب مكي, مكي حسين, سليم مهدي, حمد سلطان وغيرهم..) بعضهم استفاد من الاطلاع المباشر على التجارب النحتية العالمية والبعض الاخر قادته ذائقته الانسانية والمحيطية الى تجارب اخرى. انا هنا لا ادع لمساهمة فئة معينة في امكانية رفد مستقبانا بابداعاتهم الفنية, الامر متروك للقدرات الذهنية والامكانيات التقنية الابداعية, المهم في كل ذلك هو المساهمة المبدعة والجادة في التغيير الجذري لمساحة الابداع وبنزعة انسانية جادة تساهم في تضميد الكثير من جراحنا

 لقد تم التركيز في حديثنا عن خامات النحت في مادة البرونز والحديد بما انها مخلفات من الممكن الاستفادة منها قبل ضياعها نهائيا بتفجيرها اوتسريبها. ويبقى الحديث عن الخامات الاخرى مهما وواسعا بقدر سعة مصادر هذه الخامات الاولية كخشب الاشجار والاسمنت والبلاستك والطابوق والسيراميك والمطاط وقماش ( الجتري) والخردة بشكل عام وحتى نسيج الخوص مثلا وغيرها من الخامات المحلية والطبيعية المتوفرة.. كما ان مساحة تنفيذ اعمال نحتية تجميعية تبقى واسعة وفاعلة في التعبير عن عمق الحزن والالم لما تكبدناه من خسائر روحية وجسدية. وتبقى سابقة الحصار بهذا الحجم ومخلفاته التي حفرت بعيدا في اجسادنا وشلت الكثير من قدراتنا بدون ان تنال شيئا من عناصر السلطة المسببة ومعها تجار الحروب , ثم كوارث التلوث بفاجعية تداعياته البيئية و المرضية.كل ذلك يدعونا لانشاء متحف ومركز دراسات خاصا بذلك يساهم المؤرخ واخصائي البيئة والفنان والمعماري والمثقف باخراجه. كذلك بالامكان تعليم كل مقابرنا الجماعية بعلامات وانشاء تذكارات على ارضها, ربما حيطان تحفر عليها اسماء الضحايا ورمز مناسب توقد له اجيالنا القادمة شموعها كي تبقى هذه الشواخص على امتداد مساحة العراق رادعا لاتهاكات قد تكون قادمة  .                                                                        بما ان النحت مكمل للمعمار وجزء مهم من فضاء المدينة فليس من المعقول انتهاك هذه الفضاءات بالركيك والمستعجل والمؤدلج كما حدث في ساحة الفردوس, ليس بالحماس وردة الفعل نقتحم هذه الفضاءات التي يجب ان تكرس لأناسنا, بل علينا الاستفادة من خبرة خيرة مبدعينا ومثقفينا ومن التجارب الحديثة لتخطيط المدن, كذلك لا يمكن اغفال اسماء خيرة معمارينا امثال (زهاء حديد) والجادرجي وغيرهم.. كل ذلك مرهون بتعافي اقتصادنا  الذي نأمل ان يكون قريبا. لا يعني هذا اهمال المنافذ الاخرى للابداع النحتي في مجالات اخرى اقل تكلفة بما متوفر من مواد محلية كوسائل متعددة للتعبير عن محيطنا ودواخلنا.

........................................................

علي النجار

نشرت في صحيفة الزمان في تاريخ مع اضافات مناسبة2004-01-19                              >