حسني أبو المعالي – مسارات متقاطعة في حقول إبداعية متعددة –

 لم يكن (حسني أبو المعالي) فنانا ضمن آخرين في مجال الابداع وإنما هو شريحة لها مواهب مركبة نادرا مايتحلى بها الفرد، وقلما تجود بها الطبيعة والزمن .  إنه من نخبة انقادت لهم أنماط من الفنون فجمعوا بين التشكيل والموسيقى والأدب  .  فكان في لوحاته انطباع موسيقي، وفي ألحانه أنغام روحية، وفي أدبياته همس شعري  .

 إن حياة فناننا عطاء متواصل، كما أن عطاءه حياة حافلة زاخرة . فالعطاء عنده دافعية داخلية لاتهدأ في مسارها بين حقول التشكيل والموسيقى والتنظير الأدبي . فقد جعل الفن القضية الأهم في حياته، فهو يعيش متفرغا له ويحيا من أجله، مما أعطى نتائج باهرة على صعيد التقنية واكتشاف الجديد والقدرة العالية على توليد الأفكار والبحث الفني عن أسباب اللحظة الجمالية واظهارها بإيحائية تأملية وايحائية شفافة· فأبعاد الرؤية الابداعية التي يمتلكها الفنان ويتفاعل معها هي التي تشف عنها اعماله الفنية التي كثيرا مايخطط لها بوعي فني وبقدرة يسكب أفكاره فتأتي نتاجاته حصيلة تجربة واعية·

 كان في البدء نحاتا، تتلمذ تحت اشراف أساتذة كبار في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وكان له حضور في معارض الطلبة هناك · وبما أن كل نحات رسام فقد وجد نفسه منجذبا للرسم الذي يحقق فيه ذاته أكثر من النحت على الرغم من أن منحوتاته اتسمت بلغة نحتية عالية وزخم مضموني وتشكيلات دقيقة أكاديمية الأداء· كان يشعر أن في داخله تجارب شعورية مكثفة ربما يعجز النحت الافصاح عنها بقيم تعبيرية فائقة· ومن هنا زاوج بين النحت والرسم في دراسته، فأثبت قدرته على تكييف واقع الرسم وذلك بربط مكونات الأول مع تفاصيل الثاني شكلا ومضمونا، ففي لوحاته يقترب من الاسلوب النحتي حيث تتداخل الألوان والظلال لتشكل بناء جماليا تتوزع الكتل فيه بتناغم لوني بارع، ويضفي على الظلال  العميقة بعدا حسيا  ·

 وحتى الفراغات استوحاها من فضاء النحت واستخدمها بحرية كخلفية لونية أو كايحاء حسي بالعمق أو بالامتداد الزمني والنفسي· وبعد نيله الشهادة الجامعية تفرغ للرسم منطلقا من موهبة متميزة ورؤية ثاقبة قد لاتكرر عند غيره من الفنانين فهو يجهد نفسه ليثير الادراك  الواعي في معرفة الكيفية التي يتم من خلالها ايصال المضمون للمشاهد، انطلاقا من وعي فني عميق واحساس انساني قادر على استخلاص الحقائق وتجسيد ارادة الحياة الممتلئة   ·

لقد سكنت روحه فضاء الابداع، وعرف كيف يحقق المعادلة الصعبة في الفن وذلك بالجمع بين مذهب (الفن للفن) وبين (الفن للمجتمع) ... بين التلميح والتصريح ... بين الفن الجاد وبين شعبية العمل الفني، حين نقل المتلقين إلى اعماق نتاجاته كي يصحبوا مشاركين فيها بدلا من أن يحتاروا  في أمرها ويعزفوا عنها، إنه الارتباط العاطفي بالجمهور، فهو يقترب من الانسان بشكل حميمي في أعماله الفنية التي يترجم فيها الأحاسيس النفسية والرغبات الروحية والنزوات الذاتية بوعي فني وبلغة غنائية مناسبة تقرب من الواقع الحياتي في صورها التعبيرية الممتلئة بالمضامين الانسانية .

لم تكن الحداثة في العمل الفني هدفا له ولكنه أخذ منها التقنيات والوحدات دون أن يحاكي أساليبها أو ينهج مسارها، فهو لم يتجاوب مع الغموض المفرط أو الإيقاعات السريعة أو التعابير المعقدة، وإذا ظهر شيء من ذلك في نتاجاته الفنية فهو طارئ لم يطل المكوث عنده وإنما كان محاولات تجريبية عارضة، لأنه لايؤمن بالأساليب المطلسمة  والأحاجي المبهمة والرموز المربكة، ولا يريد استفزاز المشاعر، وحتى كتاباته الأدبية تشعرنا بمدى نفوره من الغموض في التعبير، وكأني به ينظم في كل مادة أدبية (قصيدة  نثر) .

 أما الموسيقى فقد استقى مفردات عناصرها من تكوين في المعهد البلدي بالدارالبيضاء، واتخذ من ـ عوده ـ الذي ملك عليه يومه جليسًا يحاوره ويناجبه، ورفيقا يسامره ويؤنسه، حتى إذا ما أزفت لحظات الإيحاء داعبت أنامله العود ليرفده بترانيم ألحان تنسجم وأصوات من اختارهم للغناء، فكم أصغت المسامع لجميل الأنغام وعذوبة التعبير وروعة الأداء . وكم ترنم الأطفال والصبايا بأناشيد وموشحات انتقى لهم كلماتها وصاغ ألحانها  · وقد التزم بفنه الموسيقي فلم يسمح له بالهبوط والاسفاف الفني الذي انساقت إليه كثير من الأغاني العصرية، وعلى  الرغم من أنه مقل بألحانه التي لم تدفعه خارج منطقة الظل  فقد  أغنى الكلمات الشعرية بالفيض الموسيقي التعبيري الذي مهد له بمقدمات موسيقية وأثراه بنكهة الحس الصادق من روحانية الشرق .

وقد كان للموسيقى تأثير بالغ على فنه التشكيلي وخاصة ألوانه المشرقة التي تتفجر في لوحاته وكأنها سيمفونية تصدح بايقاعات متعددة في تناغم انساني تستحيل به اللوحات إلى موسيقى (صامتة) توحي بضرب من التأمل في الزمان والمكان  .

لقد تشعبت مواهب الفنان حسني أبو المعالي وتداخلت قنواتها، ولكن الريادة تبقى لفن الرسم الذي أخذ له مساحة زمنيه طويلة وشغل فضاء مكانيا  واسعا،  فلوحاته تتزاوج بها الأشكال والألوان كعالم  ينبض بالحسية المطلقة، وبالقدر الذي لا نرى فيه هذا العالم فحسب  بل نحسه .  فعناصر تلك اللوحات تحاول رؤية اسرار الأشياء والاحداث والقضايا لتبوح بمكنوناتها وتسحر بألوانها فتثير شتى الانفعالات المتسارعة نتيجة تناغم الألوان وتلاقح الأشكال ومنطقية المضامين التي تدفع بالمشاهد إلى العمق الحقيقي للمواطن الحساسة في واقع الانسان المعاصر، فهي تحمل شحنة هائلة من الأفكار وتتحدث عن الوجود المحيط بنا وعن مفارقات الحياة وضرورة أن يتحقق البعد الانساني فيها، إن فناننا حسني أبو المعالي له قدرة فائقة على إنشاء مواضيعه التي تتعدد ومضامينها التي تتنوع، ومن ذلك التعدد ومن ذلك التنوع تنبع القيمة الجمالية للوحاته المفعمة بالثراء الروحي والمعبرة بوضوح عن أدق المشاعر وأكثر الاحاسيس صفاء، إنها عالم مكشوف بلا اسرار ولا غموض تلوح فيه عفوية البساطة وبراءة الملامح ونقاء النفوس، إنه عالم ذات الفنان المتألقة بالمشاعر الفياضة والوجدان الطاهر والروح العذبة التي ملؤها الطيبة والنزاهة والعفاف  .

أما أسلوبه فيبقى متفردا ليرسم الطابع الفني لشخصيته . ويظهر ذلك الاسلوب بشكل أساسي في مقدرته المتميزة وسيطرته على المادة النابعة عن طبيعة مضمرة قائمة على التوازن الدقيق بين الانشاء والتقنية والتنظيم البصري للاشكال واستخدام الألوان الذي ينم عن قيامه بتحضيرها تحضيرا احترافيا أكاديميا، وبتقنية تظهر واضحة في السطوح الصقيلة بدقة متناهية، فهو تارة يضع اللون صافيا نقيا شفافا، وتارة يتحكم في درجاته وتداخلاته مستغلا كل امكانيات اللون وقدرة المادة على اعطاء هذا التأثير اللوني أو ذاك· إنه يمتلك احساسا لونيا لا يضارعه فيه إلا القليل من الفنانين، فهو ملون بارع، اتخذ من مطاردة اللون طريقا نحو الحركة والمنظور والتجسيد بعد أن انصب بحثه على دراسة حزمة الضوء ومعرفة الجوهر الذي ينم عن ماهيتها وطبيعتها، واستخدم التدرج اللوني بثقة واقتدار عبر مساحات واسعة من اللوحة، ولم يجعل انسجام الألوان أو تضادها طاقة زخرفية تزيينية وإنما كعنصر أساسي في تكوينات لوحاته التي تحمل قوة ايحائية تشف عن حماسة الفكرة وسعة الاحساس وموسيقية الانسياب وجمال الرؤية .

 

إن حرص حسني أبو المعالي وتأكيده على العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون دفعه لترجمة مواقف مألوفة بإبداعية مقبولة، وتصويرها بصدق فني وتعبير جمالي، ومعالجتها بالصياغة الدقيقة والأسلوب الرصين المنبثق عن رؤية تنشد التوليف الكامن أو المتحقق في المشهد الفني الذي يتجلى في خصائص الامكانات الابداعية والمحافظة على المقاييس التصويرية والحرص على ابقائها كوحدة موضوعية تمنح الحياة للوحاته وموسيقاه وكتاباته وتكشف عن قدرته الفائقة على الخلق والابتكار .

......................                                       

 د. عباس الصراف                                                                      >                                            

  فنان و ناقد تشكيلي من العراق  مقيم في المغرب