فيصل لعيبي

 تجربة فنية تستمد خصوصياتها من المناخات العراقية

 

 زحف بجيش من الأحلام والأمنيات من أرض البصرة مسقط رأسه، مدججا بألوانه وخاماتها المختلفة، وكذا فرشاته التي استوحاها من نخلة استوطنت وملايين (النخلات) بعروس الجنوب العراقي، متوجها نحو بغداد العاصمة، بغداد الرشيد، "ودجلة الخير" من خير العراق الذي ضاع لاحقا بين مطارق (حروب) الخليج وسندان الحصار الظالم، محملا بباقات من ذكريات الطفولة والصبا، من شذى حي (الفيصلية) الذي نشأ الفنان وترعرع فيه، وأريج (ثانوية البصرة) التي أعدت إلى جانب فناننا مجموعة من الطلبة أصبحوا فيما بعد من خيرة مثقفينا وأدبائنا العراقيين، وفي مقدمتهم الشاعر "سعدي يوسف" هكذا بدأ الفنان التشكيلي العراقي " فيصل لعيبي" رحلته الفنية من العشار قلب البصرة النابض بعدما حاز على جائزة أحسن رسام "بصراوي".

نال دبلوم معهد الفنون الجميلة – ببغداد 67-1968، وتابع مشواره الفني في أكاديمية الفنون الجميلة، حيث التقيته أول مرة وأنا في المرحلة الأولى لدراستي فيها، كانت أكاديمية الفنون قد لبست للتو فستانها الجديد عندما انتقلت من المبنى القديم (مقابل البلاط) إلى مبنى آخر في (الوزيرية). كان المبنى الجديد بمثابة قلعة مخضرمة تستدعي الوقوف عندها قليلا، فقد شهدت عصورا مختلفة، دشن عصرها الأول نجل رئيس وزراء عراقي سابق في العهد الملكي، صباح نوري السعيد، عشا (لسعادته) ثم شغلتها السفارة المصرية في العهد الجمهوري، عصرها الثاني، قبل أن (تستولي) عليها في عصرها الثالث والأخير جامعة بغداد عام 1968 وتهديها إلى أكاديمية الفنون الجميلة، كانت ساحتها الفسيحة تزينها غابة من أشجار الصفصاف وأشجار النخيل والنارنج، غابة تفرش كل صباح ظلالها الجميلة، تدعونا تشكيليين ومسرحيين لنستريح إليها كلما تحررنا من سلطة الجرس وعناء الدروس المكثفة، كان لفناننا مع كل شجرة لوحة وذكرى، فقد عانقت ألوانه معظم الأشجار وتسلقت فرشاته أغصانها، كنا نتأمله وهو يضع لمساته الفنية على إيقاعات ضياء وظلال كل مشهد وكل فضاء جميل وكذلك كل موديل (نموذج)، يحاوره بصمت، بينما تنطق ألوانه شعرا.

كان فيصل صاحي (لعيبي) وقتئذ متمردا على القوالب الفنية التقليدية والبرامج الجامدة التي من شأنها أن تقيد طلاب الفن، ولهذا كان بعين أساتذته طالبا مشاغبا، وكانت أحلى مشاغباته وأكثرها جرأة تلك التي أعلن فيها مرة عن رفضه صيغة امتحانيه غير عادلة، فقدم "لوحة بيضاء: بمثابة احتجاج فاجأ بها الجميع وأمهل بها حساده بعض الوقت، ليستأنف بعد ذلك نشاطه الفني في مملكة الألوان داخل القلعة الفنية.

كانت أكاديمية الفنون الجميلة قلعة فنية، تستقبل كل عام فنانين جدد، مخلصين لأجل الفن فقد حظي قسم الفنون التشكيلية في بعض دوراته الدراسية بنخبة من الطلبة الواعدين الذين يندر تكرارهم وقد أثبتوا بجدارة هويتهم الفنية من خلال مثابرتهم الجادة في العمل، وحرصهم على التجديد، بحيث كانت المنافسة الفنية بينهم على أشدها، علني أتذكر الآن بعض الأسماء، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما على تخرجهم، فبالإضافة إلى فناننا كان هناك "وليد شيت" "سلمى العلاق" "عماد عبد الهادي" و"صلاح جياد"، وكان هذا الأخير يشكل توأما فنيا مع فيصل وكنا كلما دعت الضرورة للحديث عن الطلبة المتفوقين نستحضر في طليعتهم (صلاح وفيصل)، فقد اقترن اسميهما معا حتى بعد تخرجهما من الأكاديمية. إلا أن هذا الاقتران لم يدم طويلا بسبب (اضطرارهما) لمواصلة الدرب على طريق الفن وحرية الإبداع بعيدا عن الوطن أملا في اكتساب مهارة فنية أكثر، فاستقر صلاح في باريس، بينما توزع فيصل بين عواصم الدنيا ليبدأ زحفا جديدا وفصلا آخر من المعاناة في الفن والحياة.

وفي باريس حيث محطته الفنية الأولى خارج حدود الوطن، دخل فيصل صاحي معتركا دراسيا ثالثا، حصل بموجبه على دبلوم عالي في الفن من جامعة السور بون، ثم واصل زحفه إلى إيطاليا قبل أن يلجأ إلى لندن مرورا ببعض دول شمال إفريقيا كالجزائر وتونس، وفي إيطاليا كرس الفنان فيصل تجربته الفنية وأغناها في البحث داخل فضاءاته التشكيلية عن عالم يمتزج فيه التراث بالمعاصرة، ويفسح المجال لمحاورة ممكنة بين الماضي والحاضر.

أقام عدة معارض شخصية ومشتركة، بين بغداد وباريس وروما وميلانو ولندن، ولعل أبرز الخصائص التي اعتمدها الفنان فيصل في أعماله، تأكيده على العنصر الإنساني مستمدا موضاعاته من البيئة العراقية مع حرصه الشديد على توظيف الأسطورة بشكل ينسجم وبناء التجربة الفنية التي يسعى بها للتعبير عن أفكاره، فقد صور المقهى العراقية، والبغدادي مع (نرجيلته) والمرأة في مختلف حالاتها، والشهيد، وكذا موت أنكيدو، وغيرها من الأعمال التي تترجم بوضوح مدى حنينه وتعلقه بالوطن.

إن خصوصية الفنان فيصل التي استمدها واختارها من أجواء مناخه العراقي، منحته بلا شك ، بالرغم من تواجده قريبا من التيارات الفنية الأوروبية واحتكاكه بها، منحته تفردا خاصا وفرصة للانطلاق من المحلية إلى تجاوز حدودها وصولا إلى العالمية، وبما أن الحركة النقدية عربيا ودوليا تسيرها اليوم عجلات الحداثة وعرباتها على طريق فني غير معبد، فإن الكثير من التجارب الفنية المخلصة ستظل ضائعة ريثما يحين موعد رفع الستار عن الحقيقية التي من خلالها سيتم حتما رفع (الحصار) عن أعمال الفنان العراقي فيصل صاحي لعيبي.

 

 نشرت في القدس العربي

حسني أبو المعالي                                                                     >