مدينة مظهر احمد

   لم يعد الفنان صانع جمال فقط, انما هو منظر ومفسر ومكتشف اشكال. انه جزء فاعل من فضاء الانسانية الرحب.. الفضاء فيزيائيا مربك عموما في محاولة ولوجه لما يحمل من تعدد, فالفضاء الكوني متعاظم تلجه في حدود دنيا مسابرالية, وتلج الميتافيزيقيا جزئه المغمور المطمور خلف نصوصها. الفضاء الاخر داخلي حاولت السايكولوجيا ولوج قشرته, وتعامل الفن في بعض مما تيسر منه. اخيرا فضاء تفكيكي مجازي موازي لما طرحته التفكيكية المستحدثة من عدم اغفالها للهامش والمغيب في محاولة استجلاء ما غفل من معارف ومدونات سابقة, هذا الفضاء الذي وجد له صدى في اعمال التجميع في الفراغ ( 1 ) التشكيلية والطروحات الفنية المفاهيمية ( 2 )  اغرى الفنان ( مظهر احمد) محاورته في عمله المعنون (المدينة    . (

اذا كان العمل الفني متلبسا بفكرة مسبقة , لا يجد الفنان (المنفذ للفكرة) غير الانسياق وراء مغريات ما تبثه فكرته من ايحاءات دلالاتها مختزلا حسب مهارته وقصديته الكثير من تفاصيلها وصولا الا ما يضنه حدودها القصوى التي بقدر ما تلغي التفاصيل المشوشه على مجمل العملية الادائية فانها تعمق جوهر الفكرة. هذا النهج نراه واضحا في الاعمال الاختزالية (3)التي تتجاوز المقياس المورفولوجي(4) التقليدي للعمل الفني , كالنسب والكتلة والفراغ والمنظور وغيرها ولنا مثال على ذلك في اعمال الفنان الالماني ( يوسف بويز) في عمله ملابس الجوخ مثلا, او في نماذج من الفن الامريكي المعاصر وبالذات اعمال ( كارل اندر)  او  ( دونالد بوب ) المعدنية المصنعة التي لا تتعدى معظمها صحائف او صناديق معدنية منفذة بتقنية مصنعية فائقة  .

 الفنان العراقي المقيم في السويد ( مظهر احمد) لم يبتعد عن روح العصر في مجمل                                                                                   اعماله  الكرافيكية التي بالرغم من ميزتها الاختزالية الواضحة فانها لم تلغي الحس الدرامي الواضح لتفاصبل مدوناتها الاشارية سواء نثارات اجساد او غيرها والتي اعطت في محصلتها الاختزالية النهائية لصفحة البياض هيمنتها المطلقة . هذا البياض او الفضاء الذي اكتسبه هنا دله على الامساك بخيوط تجربته في عمله التجميعي مدار حديثنا .    

   ما يهمنا ايضا هو مدى فهم واستيعاب الفنان( مظهر) لمناطق التعبير الفنية الانفة الذكرومحاولته الاستفادة حسب اجتهاده من كل ذلك وصولا الى اداءه الخاص . لقد قادته تجاربه الكرافيكية المختبرية الى نتائج اخرى لا تبتعد كثيرا عن منطقته المفظلة الا في حدود الفكرة المفاهيمية  التي اراد بها استكناه محيطه السكني , المحيط الانموذج لمحيط السكن السويدي الاشمل. وبما ان المفاهيمية في الفن تعني الاشتغال على تحويل فكرة ما الى عمل ملموس متجاوزا الاساليب الفنية التقليدية ومستعينا بكل ما من شانه ان يوفر له شروط انجاز فكرته من مواد عينية او بصرية او اداء ثقافي مجرد او اي نشاط اخر يخدم فكرته.  ليست المسألة في الجمال او القبح بقدر تعلق الامر بطرح الاسئة او ربما محاولة البحث عن اجابات لها. ان مفهوم الفنان عن وظيفة العمل الفني هو الاساس وما الاشياء المطروحة الا وسيلة لايصال هذا المفهوم الى الاخر  .

لنتفحص عمل الفنان ( المدينه) ولندخل تفاصيل مدينته الافتراضية.العمل بكليته يجمع بين اسلوب التجميع   ويدل على مفهومية واضحة  فهو يتكون من فضاءات مركبة متعددة, الفضاء ( الجدار) فضاءات الصناديق الكارتونية المرتبة في نسق هندسي ضمن مساحة الفضاء الاكبر( الجدار) والاجساد الورقية الشاغلة لحيزها السكني وفضاء الممرات الحيادية الفاصلة .

عالج هذا العمل المفهوم  الوجودي للذات الانسانية ايضا  بفضاءاته الاخرى, المتصادمة, المتجاذبة والمتنافرة. الفضاء المفتوح الاكبر ( الحاضن), الفضاء الشخصي او حيز الجرم الشخصى, فضاء السكن الخاص. هذه  الفضاءات تحكمها قدرية هندسة مواقعها وتنوء بتفاصيل متشابهة تحاول كسر سكونيتها حركات اجسادها الورقية الهشة المسترخية و العصابية في معضمها. هذه الاجساد التي تحاول معظمها الانفلات من اسر حيزها التي تجد نفسها ملتصقة به ولا تجد فكاكا منه كأنه قدرها الذي يمسك بتلابيبها. كل فرد في هذا المجمع الشطرنجي الباهت اللون يكمل الاخر, لقد حكمه الفنان بقانون هندسي صارم وافتض سرية او خصوصية ساكنية, كان بامكانه ان يغلق صناديقه كلها اوبعضها ويلعب على دلالات ملغزة لكنه اختار الوضوح الذي استقاه كما اعتقد من محيطه السويدي الذي تحكمه هندسة محيطيه محسوبة بكل دقائقها ضمن ارقام ومعادلات لا تلغي توازن البيئة والمطالب الانسانية وتجد حلولا حضارية لكل منهما  .  

       وعلى ما يبدو فان هذه المعادلة الرقمية اكتسبها الفنان ووظفها بذكاء لا يخلو من الحذلقة هنا لو استبدلنا الصنادق الكارتونية بازرار تشبه ازرار لوح التدوين لجهاز الكومبيتر بحروفها الابجدية وبنفس قياسات العمل لأنتجنا عملا يقترب ويبتعد عن دلالات عمل الفنان, هذا الأكتشاف يقودنا  لتصورات عديدة بمفاهيم وتأويلات لا نهاية لها . من هنا تأتي اهمية هذه الاعمال التي تكسر سكونية اللوحة التقليدية وبالذات ما تنوء به من جماليات تقنية متحفية باتت مثار جدل    .

 لو تفحصنا العمل  ايضا من زاوية حرفية اداء الفنان نجد انه لم يبتعد كثيرا ولم يجهد نفسه في التنقيب والبحث عن مواد اولية غريبة واساليب تنفيذ معقدة ليستوفي بلوغ فكرته مبتغاها. فهو كفنان كرافيكي خاض ايضا العديد من تجارب التصميم الكرافيكية والذي يجد نفسه دوما غارقا في احباره ولفائف الورق. لم يتوانى عن بناء مدينته الورقية الانموذج. انه هنا يتابع حلم عالمه الورقي الذي صاحبه دوما ولم يخذله. ليعطينا مثالا عن حسن استخدام المادة الغير مألوف في وسطنا الفني وليدل العديد منا على ما تخزنه خامات  المواد الاولية من قدرة على التعبيرالدلالي والرمزي . المهم من كل ذلك هو قدرة الفنان في تطويعها لخدمة اغراضه وبدون مهابة حتى  من محاورة  مستجدات العوالم الرقمية التي غزتنا الان بنفس الولع  للحس الوجداني المعبر عن العوالم الاخرى

  اخيرا يبقى الفضول يلح علينا, ما كنه هذه المدينة الافتراضية بنسيجها المتجانس والمتنافر التي تنوء باقدار ساكنيها. ان كم الانفعال المتفجر من بين جدران حيزها السكني يكاد يطيح بهم الى فضاء مجهول اخر. ما نأمله من الفة سكننا تكاد هذه الاجساد المستنسخة ان تلغيه,, ربما يحفزنا هذا العمل على البحث عن فضاء اكبر وخصوصية ذاتية افضل . ربما ليس ذلك. اشكالية التفسير او ولوج عوالم  مثل هكذا اعمال مشاعة للجميع وهنا مكمن سحرها

 

علي النجار / السويد  02-06-2004

  ......................................................................................................

Installation : (1)

Conceptual:  (2) 

Minimal :  (3)

Morphology :  (4)

...................................................................................................

 سيرة مختصرة للفنان مظهر احمد

 تخرج من معهد الفنون في بغداد  1979-

 اكمل دراسته لفن الكرافيك في اكاديمية وارشو لعام 86 -

  اقام ستة معارض مهمة في كل من السويد وبولونيا والنرويج -

 حصل على العديد من الجوائز العالمية ومنها جائزة نوبل للكرافيك السويدالتي استحدثت -منذ خمس سنوات     

يدير ويدرس الكرافيك في مشغل الكرافيك لمدينة فالون السويدية حيث يسكن

......................................................................................................    >

نشرت في ايلاف