قراءة موجزة لأعمال الفنان محمد فرادي

 

   تعرفت على الفنان (محمد فرادي) في عام (  1974) في رسم زيتي لفتاة ربما نفذه في فترة دراسته في كلية الفنون. كانت لهذا العمل وقتها خصائص واضحة للخروج على نمطية هكذا اعمال واقعية مدرسية, انه هنا يثبت هارمونية لونية شفافة تنم عن وجدانه بنفس الوقت الذي تبتعد بقدر واضح عن الموجودات الملموسة ولتوحد خلفية العمل بتفاصيله الداخلية. وكما يبدو فانه بدأ واعيا لاكتساب شروط العمل الفني للمسة الشخصية النابعة من ثقافة لا تنكر سطوة المعرفة وشساعة مساحة الفن التشكيلي.

  بعد ذلك خاض تجربته الثانية وسط متاهة الموروث الفولكلوري العراقي التي اختارها موضوعا لاطروحة دراسته للماجستير في الثمانينات.. انسجاما مع بحثه الطوبوغرافي والنظري, حاولت رسوماته ولوج هذه العوالم اسوة ببعض فنانينا الرواد وما بعدهم. لقد صنع ايقونته الفولكلورية بشروط حداثة المنتج الفني العراقي, مزاوجا بين هندسة نصوصها وانسنة بعض مفرداتها التي تحيلنا الى ارثنا الغابر( الهة مؤنثة) لا تبتعد عن زمننا الا بقدر نمطية اسلوبية تحاول ان تتداخل ونسيج العمل. ان الفنان هنا يحاول ان يزاوج بين موتيفاته الفولكلورية ومفردات انسية وبئية ظمن ثنائية استيتيكية (خلفية توظف المفردة الفولكلورية المنتقاة وبعض من مفردات البيئة) و (تشخيصية مؤسلبة)  لا تخلو من صرامة اسلوبية ابتعدت بعض الشيئ عن روح منجزه الاول.

     في محاولة لاستعادة بيئة فقدها خلال ترحاله خارج بلاده استرجع عمارة الريف العراقي ونسج مساحة لامتناهية من هياكل ابنيتها المقوسة بولع صناع النسيج وبنفس الحس الوجداني لاعماله الاولى ( 1 ) . لقد اعادته هذه الاعمال وكما اعتقد الى منطقة بحثه الاولى ليس بنفس التفاصيل السابقة والتي من المتعذر ان يحافظ على وهجها بعد كل ما مر من تقلبات ازمنة التشكيل العراقية المواكبة لتقلبات ازمنتها السياسية الفجائعية ,لكنه كرس الطبيعة في هذه الاعمال سكنا مؤجلا في انتظار زمن قادم يؤهلنا مقيمين حقيقين في ربوعها واستعاض عن البشر والحيوان بوفرة من مناخات طبيعية هي جزء متنافذ وهذه العمارة.( بالرغم من انه لم ينفك بين الان والان يدون بعض من تفاصيل ولعه السابق(

    في تدوين لذاكرته يسترجع الفنان بعض من تجاربه  ..( في تخطيطاتي الشخصية ورسومي الزيتية ومنحوتاتي, اجدني منشغلا كل دقيقة في تنفيذ فكرة جديدة. في بعض الاحيان اكون مشغولا في تنفيذ اربعة مشاريع مثل..كتب عن الناس, رسوم اشخاص بكراسيهم, صوت المكان, نساء عراقيات متوشحات عباءاتهن, المرأة المعاصرة المتحررة, واشياء اخرى. حينما لم يكن لدي شيئ الج الى الطبيعة. وحينما لم تمنحني هذه الطبيعة شيئا بسبب من معاناة ممضة تخترقني احيانا, حينها اشحذ ذاكرتي واستعيد بعض من تجربتي, بعدها اشعر ان قماش الرسم (الكامفس) يستقبلني بحرارة اكبر)

    رغم ما يصرح به الفنان الا اني اجد ان الطبيعة منحته الكثير وبشكل خاص خلال اقامته في السنوات الاخيرة في الولايات المتحدة . فما بين منطقة سكناه في (ديترويت) حتى الشمال من هذه البلاد وحسب مشاهدتي لها جوا تشكل مرادفا لطبيعة الجنوب العراقي بغزارة بحيراتها ومستنقعاتها ومساحاتها الخضراء. وكلما تطلعت لما انجزه (محمد فرادي) من اعمال الطبيعة اجد مدى العشق والتماهي وهذه المسطحات واخال ان بعضها مستوحى من بيئتنا الجنوبية. لقد استفاد كثيرا من دروسه السابقة التي تحاور بعض من مفاصل الطبيعة استرجاعا , ليقيم اعمالا تتمتع بصلابة مصادرها البيئية الاصلية.

كما استطاع ان يفكك الكثير من مفرداته ببنائية جديدة وحسب نسق اوصلته له تجاربه المتكررة. لقد تحولت اعماله المتأخرة الى موتيفات لا تخلو من هندسة طوبوغرافية متقنة ولا تبتعد بنفس الوقت عن وجدانية حلمه الاول. في هذه  الاعمال يؤسس (فرادي) مشروعه الخاص بعيدا عن التجريد والمطلق , بايحاءات هاجسه الشخصي المفعم بوله لتفاصيل الطبيعة التي يحج لها دوما. مثلما كرسها مرجعية تعيد توازنه بين الفينة والاخرى كذلك بحث من خلالها عن النبض السري الذي يديم سر تألقها ووجد مبتغاه في فصل الخريف الملتبس الذي اختلطت فيه نوايا الفنان  وديمومة الوجود في ثنائية الحياة والموت التي تحملها بذرة الخريف..فمن سحرته الصفرة المكتضة المتوهجة لاوراق الشجر وهي في طريقها الى الهلاك والتي تغطي مساحة الحقول والحدائق في بداية هذا الفصل وما يتبع ذلك من تغييرات في الجو والمزاج , يدرك سر تعلق الفنان  وولعه للنفاذ الى عمق الطبيعة في هذا الفصل بالذات. فهو يقول ( يعيدني لبداية جديدة , اذ بعد ان تتجرد الاشجار من اوراقها , تبزغ عندي رسوما جديدة على قماشة الرسم, اوقاتا طازجة, تتجدد فيها الوان الفصول المتوهجة. هذا التوهج يعدني ببداية جديدة(

    البداية الجديدة. هذا ما يبحث عنه الفنان, ربما هي اضافات او تنويعات على تقنية اساليبه التي اشتغل عليها كثيرا, ربما هي انقلاب في التفكير والادراك بمستجدات ازمنة وبيئة جديدة, ربما هي حلم يستعاد على مدار ازمنته المتعددة وبما توفر له من مساحة حرية اكتسبها هنا. مع كل ذلك تبقى هذه الاعمال هي النموذج المفضل لدى الفنان المفعم برائحة طين منشأه الاول  .

.....................................................................................................................................................

 

                                                       الرسوم التخطيطية

      يدخلنا (محمد فرادي) في رسومه التخطيطية في عوالم شتى حد التناقض, اذ انه ينطلق في هذا الحيز بدون ضوابط , مفسحا المجال لانفعالاته او تفسيراته وتصوراته عن محننا في مجموعته المعنونة ب(الوجع) , مثلما يفعل ايضا في تمثله للجسد الانثوي ووظيفته في العالم المعاصر في مجموعته الثانية (حواء المعاصرة(

   في المجموعة الاولى يكرس الفنان الجسد والاثر وبعض مفردات الطبيعة نسيجا ممزقا او مدوما منفلتا من جاذبيته الارضية . لقد اتسعت مساحة الصرخة لتشمل نسيج الجسد كله ولتأرخ لليالي مقابرنا الجماعية, ولتفك بعضا من طلاسمها.لقد تحولت هذه الاعمال الى نوابض مسحوقة تحاول الانفلات من قدرها بدون بارقة امل.. انه في هذه الاعمال يؤرخ لوجعه الذي هو جزء من نبض وجعنا الجماعي الذي هصرنا في لحضة انكشاف تاريخ الزيف.

   في مجموعته الثانية  اصبح جسد المرأة مرتعا لحياتها الخاصة والعامة . فهو انا للتأمل والعشق السافر وانا حالة ملتبسة عصية على الايضاح مغرقا بفرديته حتى ولو كان جزأ من حشد متشابه الجنس. مثلما هو هيكل لالة موسيقية تتكتك مفاصلها ولا تني تصدح بانغامها. لقد قدم الفنان هنا تصوره او تفسيره الشخصي  لنموذج معاصر بحاجة الى بحث اوسع . واعتقد ان ما قدمه من اعمال هي مجرد نواة لهذا المشروع ربما استطاع التفرغ لمواصلته مستفيدا في نفس الوقت من كم البحوث الانتروبولوجية  والسايكولوجية المعاصرة وموروث الجسد التشكيلي ومساحة الحرية الممنوحة للجنسين في زمننا الحالي. هذا لايعني الغاء تفسير الفنان الشخصي باية حال , فهو جزء من ثقافتنا المعاصرة بما اكتسبه من ملامسة واقعه وتراكم خبراته النظرية والعملية.

...............................................................................................................................................

 

  ( 1 )  .. كما هو واضح في اعماله التي نفذها خلال اقامته في هولندا بعد مغادرته عمان.

      ......................................................................................................

 

علي النجار                                                                                   >

 السويد... 2004/11/12