التشكيلي العراقي المهاجر

الولايات المتحدة مثلا

    بعيدا عن التعميم والتهويمات, لننظر بموضوعية الى واقع حال فنانينا التشكيليين العراقيين المهاجرين بالرغم من اختلاف ظروف العمل اوالاندماج الثقافي الفعلي والمفترض. الاختلاف ايضا واضح ما بين ثقافة اوربية منفتحة بعض الشيئ على الاخر تدعمها مؤسسات ديمقراطية او اشتراكية اجتماعية احتضنت تجارب الكثير من فنانينا التشكيليين ولو بحدود ما تسمح به قدراتهم ومداركهم من التساووق والمنجز الاوربي العام  او بما امتلكوه من تفرد ما بسبب من بعض مرجعياتهم الشرقية. هذا لا يعني ان كل الابواب مفتوحة امامهم . اذ ان هناك حدود ما من الصعب تخطيها, فلا لا تزال واردة صيغة الهجرة والمهاجرين وفاعلة حتى في المجال الفني والثقافي . مع ذلك تبقى اخف وطأة مما في الولايات المتحدة الاميركية.ولنا في تجربة الفنانة (عفيفة لعيبي) او( الفنان بشير) , حيث استطاعوا بجهودهم  وقدراتهم الذاتية ولوج  قاعات عرض هولندية عصية على غيرهم . كذلك لما حصل عليه البعض الاخر من الفنانين العراقيين  في بلدان اوربية اخرى على جوائز تقديرية تشهد لقدراتهم الفنية. ولنا في تجربة بعض بيوتات وجمعيات الفن التشكيلي العراقي المتفرقة في اوربا مثلا واضحا على لحمة العديد من المبدعين العراقيين , بالرغم من بعض السلبيات التي رافقتنا بسبب من خلل في الرؤيا او النوايا. لكن يبقى ما تحقق ليس بالهين. سواء على الصعيد الشخصي او الجماعي.  المشهد التشكيلي الاوربي يفرز مستويين من المبدعين كما هو الحال في تاريخ الفن بشكل عام . المستوى الاول المتمييز بالتقنية العالية او الرؤية الجديدة باكتشافاتها المتعددة والتي يكرسها النقد كتجارب متميزة لتحتل مكانها الرائد. هذه التجارب تأخذ طريقها وبكل يسر الى قاعات العرض الاهم. قلة هم التشكيليون الذين استطاعوا ايجاد موقع لهم ضمن هذه الطليعة الفنية, ورغم قلتهم يبقى ما حققوه مفخرة لنا.

الأمر مختلف في الولايات المتحدة الامريكية. المشكلة الاولى تكمن في  صعوبة اختراق  سوق احتكار صالات العرض الباهضة الكلفة والمكرسة لفئة مقتدرة معينة تتجاوب واهدافها الاستهلاكية. كل شيئ هنا له حساباته الخاضعة للكلفة والربح وليس باستطاعة احد منافسة السوق الفني الا بهذه الشروط التي تعز على غالبية فنانينا الشحيحي الموارد اصلا. وفي محاولة لاستقصاء واقع حال فنانينا التشكيليين ضمن هذه المعادلة الصعبة, نجد ان هناك فئة تدربت بقدر استطاعتها على تطوير حصيلتها الفنية الشحيحة من اجل ان يكون لها تواجد ما ولو بحدود الجالية العربية في بعض المدن الامريكية الاكثر كثافة لها مثل مدينة (ديترويت). هذه الفئة من الفنانين كمثيلتها في الدول العربية يدفعها الولع الفني  والارتزاق معا موظفة التقليد  والموروث الاستشراقي الغربي , رغم المحاولات التواضعة من بعضهم لتطوير اسلوبيته او رؤيته الفنية وبما تسمح له قدراته وثقافته الفنية المتواضعة. الفئة الثانية تمتلك القابلية الفنية الاكاديمية او بعض من الاساليب الواقعية ودخلت السوق الاستهلاكي الفني بحصولها على عقود لتنفيذ مجموعة  رسوم لتزيين صالات الفنادق او غيرها , هي مكتفية بهذا القدر لما يوفر لها من منافع مادية  هي من اساسيات سلوكيات المجتمع الامريكي ككل.  

الفئة الفنية الاخرى والتي هي مدار موضوعنا تظم عددا من فنانينا التشكيليين اللذين انجزوا مشروعهم  الفني في العراق وساهموا مع الاخرين في اثراء المنجز العراقي بنتاجاتهم في وقت من الاوقات. منهم من اقام  هنا منذ زمن ومنهم من هو حديث الاقامة ومنهم من استقر نهائيا ومنهم من رحل. ما يوحدهم هو نضوج اساليبهم وقدراتهم الفنية التي تؤهلم لمواصلة مشوارهم في محل اقامتهم الجديد بالرغم من الصعوبات والمعوقات الجمة التي تتطلب توفر شروط مناسبة لنجاح هذه المهمة . من هذه الشروط توفر البيئة الحاضنة لتجاربهم , لكن الامر ليس هينا الا اذا توفرت له مستلزمات ومناخات ملائمة. على سبيل المثال مساهمة الشخصيات العراقية الامريكية الاكاديمية في تعريف الوسط الثقافي الامريكي بتجارب هؤلاء الفنانين  , نعني بهذه الشخصيات الكوادر الجامعية العراقية التي استطاعت ان تقيم روابط لا بأس بها بالوسط الثقافي الجامعي  وهذا امر ليس هينا في الولايات المتحدة وفي نفس الوقت ليس مستحيلا, لما يمتاز به هذا الوسط من احترام وتقدير.الأمر الثاني يعتمد على جهد الفنان الذاتي في البحث الدؤوب عن مساحة ولو بسيطة لاخراج اعماله للنور سواء عن طريق تجديد خبراته بدورات فنية  لتقنيات متعددة واقامة علاقات فنية من خلالها بالوسط الفني المحلي , او الانتماء الى الجمعيات الفنية الأمريكية المتعددة وبحدود ما تسمح به امكانياتهم الذاتية. او تأسيس مشروع فني شخصي بعيد المدى او بيت للفن والثقافة , مثلما هو حاصل في بعض المدن.لقد استطاع بعض الفنانين العراقيين فعلا  ولوج بعض هذه المنافذ وتحقيق نتائج ما  .  

  الاغتراب بشكل عام هو واحد في كل البلدان شرقا وغربا.وما تحققه اية جالية مغتربة من مكاسب مادية ومعنوية في محيطها وبيئتها الجديدة يبقى مكسبا مهما يعزز رسوخ هذه الجالية في وسطها الجديد. هنالك جاليات معينة لها القدرة على الاندماج في بيئتها الجديدة اكثر من جالية اخرى. ربما لعامل العادات المشتركة لبعضها وعامل الدين والتاريخ اثر في ذلك. مثلما هو واضح في الجاليات الاوربية الشرقية المهاجرة لغرب اوربا مثلا. او الجاليات الامريكية اللاتينية في الولايات المتحدة .اما في وقتنا الحاضر فان الاغتراب شمل فئات عديدة من شعوب شتى من انحاء المعمورة. بعض هذه الجاليات اكبر من الاخرى , مثل الجالية الصينية او الايطالية التي استطاعت ان تكرس نفسها كيانات سكنية وبيئية معزولة بعض الشيئ عن الاخر تتمتع باستقلالية واضحة في سلوكياتها وثقافاتها وكانها نسخة مصغرة من مجتمعاتها الام  , لكنها في نفس الوقت منسجمة مع منظومة والمجتمع الامريكي الحاضن بشكل عام الذي هو خليط من كل الاجناس

  الأغتراب العراقي مثلما هو الان حديث نسبيا . هو نتيجة منطقية لافرازات الانظمة العراقية المتعاقبة التي لم تحترم حقوق المواطنة. هذه الانظمة افرزت فئات مغتربة متعددة ومتناقضة الاهداف وبمستويات ثقافية متفاوتة. فئة استفادت من مهادنة هذه السلطات والحصول على امتيازات عديدة, منها السفر للدراسة في الجامعات العالمية والتي اصبحت حكرا لمنتمي حزب السلطة في الفترات الاخيرة. منهم من رجع الى العراق ومنهم من استقر في الدول الاوربية او الامريكية الحاضنة.الفئة الثانية من هرب من بطش السلطة اما لعدم مهادنتها في مشروعها التعسفي الوحيد النظرة , او لاختلاف وجهات النظر السياسية التي لا تقرها هذه السلطة. ثم مهاجري الانتفاضة من كل اطياف الشعب العراقي .هذا الخليط المتعدد والمتناقض في احيان كثيرة الذي استقر في دول الهجرة , تشكلت له كيانات ثقافية وسياسية متعددة استطاع بعضها ان يؤسس العديد من التجمعات والجمعيات الثقافية والفنية ويحافظ على مكوناته الثقافية من الاندثار . رغم ذلك تبرز في العديد من الاوقات والمناسبات سلبيات ليس من الهين تجاوزها. ومن اجل ان تكون جالياتنا فاعلة في محيطها الجديد عليها النظر في مجمل سلوكياتها ومراجعة اصل هذه المتناقضات السياسية والاثنية لتجاوزها ولو في حدود تمكين الجالية من ان يكون لها دور ذاتي وفاعل في مجتمعاتها الجديدة فما ورثناه من ثقافة العنف والالغاء ليس قليلا والاستمرار بهكذا نهج ينعكس سلبا على كياناتنا المهاجرة ويزيدها هشاشة, كما انه ليس من المعقول ان لا نتعلم شيئا من كل التجارب الديمقراطية التي نعيش في كنف انظمتها والتي اوصلت هذه الشعوب الى ماهي عليه من احترام للانسان والطبيعة وكل مخلوقات الله

   لنا في تجربة البيت العراقي الحديث الولادة في مدينة (بوفالو) التابعة لولاية نيويورك مثلا واضحا على ذلك. كان لرد الفعل الايجابي والمشجع من قبل بلدية نيويورك على طلب اجازة فتح  هذا البيت مدينة(بوفالو) التابعة لبلدية نيويورك مثلما كانت ميزانيته المالية مجزية . لم يكن الخلل في هيئته الادارية في توجها لدعوة مساهمة اناس الجالية بمختلف انتمائاتهم ومذاهبهم وخلفياتهم الثقافية في مسعى منها لخوض تجربتها الدمقراطية . لقد توفرالمقر المناسب وفي حي و شارع ثقافي مهم من شوارع المدينة والذي يبز في مواصفاته وامتيازاته اي منتدى او جمعية ثقافية مماثله له في اوربا. كان المؤمل ان يواصل هذا البيت او النادي او الملتقى الثقافي ( سمه ما شئت) نشاطه الثقافي والاجتماعي ويكون مثلا للجالية , خاصة بعد انشطته الاولى القليلة التي استقطبت الاخرين على المستوى الرسمي والشعبي . وكان من المؤمل ايضا ان يكون جسرا للاخر وعاملا مهما من عوامل الاندماج الثقافي والبيئي في مجتمع هو بالاساس خليط من كل اجناس العالم ومثلا واضحا للتسامح والعيش المشترك بحدود العطاء والمثابرة البناءة الجادة وخصوصية الذات . لم يكن في حسبان القييمين على هذا المشروع ان تتسرب جرثومة الخراب باختلاط المفاهيم والنيات وتثوير النعرات الرعوية ولتؤدي في النهاية الى هجران هذا البيت الملتقى وتجميد فعالياته وميزانيته والتحول عن هذا المشروع الديمقراطي المدني الى مشروع الجامع (الديني) الذي من الممكن وبكل بساطة  ان يكون مشروعا ثانيا منفصلا ولتؤدي كل هذه الممارسات المتخلفة الى ضياع كل من الجامع والبيت الثقافي , فكيف لنا ان يكون لنا كيانا فاعلا يحتضن ما تبقى لنا من امال في بناء الذات وسط حاضنات مهيئة لذلك. يبقى الامر المهم انه ليس بالادعاء فقط نحاول تحقيق نوايانا اذ لا يزال العديد منا يتبجح بما حققه في المهجر بدون وجه حق ولا يزال العديد منا تنأى ذاته المتكبرة للاشيئ عن النظر بموضوعية لواقع حاله وحالنا.  

.......................................................................................................................................................

  علي النجار.. مالمو .. السويد                                    >

2004-11-22