ايقونة خراب الجسد

في تجربة الفنان علي طالب

 

      على امتداد زمنه الخلاق اختزل الفنان ( علي طاب ) عالمه وخبئه في تلافيف رأس هو صنو رأسه . حمله خارطة فرحه الشحيح . عنفوان شهوته . وبؤس ايامنا التي شارفت الثلاثة عقود من زمن مستباح

( متضخم حد الانفجار . مخلفا لوعة لا تزال تسكنه وتسكننا ) . تكمن خلف بوحه المتواصل لتاريخ هذا الالم المعاصر موهبة متفردة استوعبت شروط الحداثة . كما استوعبها بعض مجايليه من الفنانين العراقيين عبر مسالكه نفسها.     الزمن نهاية السبعينات وبداية الثمانينات . يبدو انه ان الاوان للفن التشكيلي العراقي ان يسخر الجسد الانساني كمادة خام لطرق تعبيرية متعددة تلتقي في تجارب وتختلف في اخرى . ليست كسابقتها . وكانت مغامرة عند البعض ان يختصر الجسد في جزئه الاكثر اثارة . وهو الرأس . كان الفضل للفنان ( فائق حسين ) في تثبيت الملامح الاكثر اثارة . في مغامرته الكرافيكية التي عرضها في متحف الفن الحديث ( كولبنكيان ) في بغداد . في بداية ذلك الزمن . اثارت هذه المحاولة اسئلة الوجود القصوى . لم تكن وجوهه خرائط مألوفة . بل كانت ملامحها مكتضة بما يغتفر ولا يغتفر من ملامحنا السرية العصية على البوح . المسورة بانتهاكات غير مألوفة.

 

   لم تكن تجربة ( فائق حسين ) ببعيدة عن تجارب لاحقة لكل من الفنانين ( اسماعيل فتاح ) و( ضياء العزازي ) وحتى ( محمد مهر الدين ) .  ويبدو ان ( علي طالب ) قبض على عصبها الاكثر اباحة . وظل مدوما في تضاريسه . كشهادة لصلب عصره . ظل وفيا لأ حفورات ( الرأس ) .     با لوقت الذي مارست اعمال ( علي طالب ) سطوة غريبة علينا . هي ايضا كأعمال جيله المتقنة الصنعة . لم تغيب وهج جمالياتها . لقد حكمتها عادات التقنية واكتمال ادوات التعبير . رغم تقشفها المعلن . ولا بد لنا من السياحة في فخاخها التي تستلب منا توازننا بما تختزنها  ظواهرها من قابلية على الأفصاح عن مكنوناتها.

      هذا الفنان الحذر في استقصاء مصادر الهامه ضمن شروطه القاسية يضعنا امام مواجهة فريدة لعالم باطني شاسع. بناه بحذر مشوب بريبة من مواجهة الاخر المدمر . ودثر نفسه برذاذه . مكتسبا حصافته التي اهلته شاهدا فريدا على فجائعية عصر وجد نفسه محوطا به . لقد سلبته تداعيات هذا العالم الكابوسي رغم حصافته . وترسبت في قاع روحه لوعة تفجرت على امتداد سطوح اعماله . رومانسية عنف . حنين . الم دفين . هو وكما يبدو كأسلافه مولعا بصنع تمائمه . او أيقوناته .  (  رغم اختلاف التميمة عن الأ يقونة . الا ان اعماله اقرب الى طبيعة الأيقونة . كمظمون لا تكريس ) . بعد ان تمزقت ذاته وتشضت بغربة الداخل والخارج . ايقونته السحرية المعاصرة هذه . رقية برائته . برائتنا . التي توشك على الانطفاء

        يبدو ان الحس التراجيدي لم يفارق اعمال ( علي طالب ) منذ بداياته الفعلية. الا ان ظهوره بهذه الحدة لم ينفصل عن تماهيه في واقع كارثي بدت بوادره منذ منتصف السبعينات . نحن هنا بصدد تقييم الاعمال لا النوايا المعلنة . وهذا امر ضروري لتشريح الظاهرة الفنية الابداعية . بعيدا عن المرجعيات الثانوية الاخرى التي لا تدخل في صميم العملية الابداعية . النتاج الفني للمبدع هو وحده محك التقييم . كانت تنويعات ( علي طالب ) على ( الرأس ) تظهر في نتاجاته الاولى كعنصر دلالي رومانسي النزعة . لا يخلو في بعض الاحيان من تابعات زخرفية  . وفي بعض الاحيان عنصر مكمل لموجودات تصميمية . كان حوار ( الرأس ) في هذه الاعمال يتسم ببساطة وشفافية . لا يخلو من دلالت بعض الاحيان.

      بعد ذلك و ضمن بعض اعماله كان الفنان مشغولا في فترة الثمامينات بثنائية ( الرأس ) . ( الرجل والمرأة ) . في هذه الثنائية الأزلية كان التدمير شاملا . خلف هذه الاعمال العدمية . تكمن ذات ممزقة ترفض المهادنة والعالم الخارجي . العالم السوي . رفض مطلق لثنائية الوجود الازلية . وعلى ما يبدو فان خلف هذا الرفض ذات فائضة العاطفة . ان لم تكن متفجرة . لم تجد سوى هذه الوسيلة ( نقيض النقيض ) لتطهير نفسها . وكان تدمير ( الرأس ) في العام ( 1988 ) في اعنف حالاته وضوحا . رغم ما يثيره هذا العام  من التباس في التاريخ العراقي المعاصر. وبمعنى ما . هل هذه الاعمال . هي النتيجة المنطقية للشعور الفائق بخساراتنا البشرية . والخسارة الروحية . في حرب الثمان سنوات . التي انتهت . او . اوقفت في هذا العام .

    لم تفاجئنا الاعمال الثمان . التي نفذها الفنان على الخشب ( بشكل رليف غير مجسم  الا بما يحمله من نتوءات مواد صبغته وكثافتها ). في عام ( 1992  ) . باختلافها عن سابقتها بالكثير من التفاصيل . بعد ان استوعب الفنان كامل الصدمة الكارثية لخسارات العراق . وخسارات الروح . وبعد ان استنزف الكثير من شجنه . لم يغادر مكتسباته السابقة . لكنه بدأ محاورة ذاتية . استوعبت هذه المرة الذات والمحيط . هو لم يكن بعيدا عن محيطه سابقا . ولم يكن بعيدا ايضا عن  استنطاق الاثر التاريخي . الاشوري منه بالذات . . الا ان ( الرأس ) في هذه الاعمال الثمان . اصبح  حقلا للترميز . وتداعي الموجودات . والفنان يعيدنا دوما الى اسلوبيته القائمة على التهديم والأنشاء . لكن يبقى الاشكال . هل ان هذه الاوفاق  التي دونها على سطح اعماله هنا . هي اوفاق فعلا . ام ان اختراق الأثر الوفقي بمستنسخات متقاربة من مجاله السحري . جاء هنا . من باب الأنصات الى اصوات التدوين الماضوي . ام انه جاء من اجل استدراجنا الى متاهات لا معقولة .. رغم التدمير الواضح للعديد من تفاصيل هذه المفردة ( الرأس ) في هذه الاعمال . المدروسة بتأني لا يخلو من جمالية في الكثير من تفاصيله . يبدو ان الامر تطلب انقضاء حقبة الثمانينات . بما حملته من كارثة الحرب العراقية الايرانية المدمرة . في نتائجها الفعلية الانية والمستقبلية . ليكتسب ( علي ) بعض من تصالح الذات والمحيط . او ليلتقط انفاسه في مدوناته هذه.

 

    ليس غريبا بعد كل هذا الزمن الطويل الذي استغرقته رحلة ( الرأس ) في منجز ( علي طالب ) ان يعاود الاستعانة بمفردته المفضلة هذه بين ان واخر . وكان عمله الاخير . بمجسمات (الرأس) وخلفية الرمال (( هولندا , لاهاي (( 2004 )) . ( مقبرة جماعية ) . استمرارا لتواريخه الشخصية البيئية والاثرية . انه لا يني يحمل رأسه المثلوم . مكمن اسرار تاريخ بلد لا يزال يماهى  حاضره بماضيه .  في رحلة الشقاء التي لا نأمل لها ان تكون ابدية . كما هي رحلة رأس ( الحسين ) في مدوناتنا التاريخية  المفجعة.  

   ما دونته عن تجربة ( علي طالب ) هذه . يبدو خاليا من اية مرجعية اسلوبية او تقنية . ذلك لمعرفتي بمشاعة الاسلوب وتجاوز مرجعيته في زمن يرهنه بالمبدع اساسا .( تماهي الذات والمنجز. وتغريبه ثانيا ) . اما التقنية فعلى الرغم من اهميتها . تبقى معبرا لمسارات الذات المادية في فعل الأفصاح عن مكنونات هذا التماهي . وصولا الى الذروة الادائية المطلوبة . تلقائيا او تعقيدا . من هنا جاء حصري لهذ ه التجربة في مساراتها الزمنية الضاغطة  والفاعلة التي وهبتها مساحتها هذه

 ..................................................................................................      >

   علي النجار.. السويد

10-01-2005