الاحتكام الى الجغرافيا في انتاج العمل الفني

 (فن فنان ما, يجب ان يكون خاصته. انه كما اعتقد, سلسلة من الابداعات الصغيرة الخاصة به, في علاقته مع الاداة, المادة واللون. ان ما يتعلمه الفنان لا يعني الا القليل جدا. وما يكتشفه بنفسه هو وحده ذو قيمة حقيقية له. ويعطيه الدفع الضروري للعمل. (1 الاكتشاف ايضا له صلة ببيئة الفنان ومحيطه, فهو وبدون شعور منه يتشرب دقائقه وحتى السرية منها وجغرافيته هي حبله السري لجغرافيات هذه البيئة والمحيط الحاضن, هي جغرافيا غريبة هذه التي تتوالد فيها اختلاطات الامزجة الانبساطية والسوداوية وما بينهما والتي تستكين بيسر لنفوس العديد من سكان مساحات دول العالم . وبما ان الاختلاف محكوم بالجغرافيا ومناخاتها , والمناخ له شروطه الخاصة الثابته والمتغيرة التي تفرضها عليه شفرة الكون الواسع اوحركة الكرة الارضية  المحوريةالمائلة المتسارعة التي تفرز شمالا وجنوب, حرارة وبرود حد الانجماد في الاصقاع القطبية. الصخب الداخلي مزاج حيوي يطبع غالبية سكان الجنوب ويسم بميسمه نتجاتهم الفنية في الوقت الذي تتسم فيه غالبية نتاجات الفن الشمالية بمسحة هارمونية واضحة مقننة منسجمة وامزجة اناسهم . هي جغرافيا غريبة هذه الخطوط المدارية الوهمية التي تتشكل فيها مناخات وتضاريس واقدار تترك بصماتها على اجيال واجيال ولا تسلم منها حتى دول الشمال الاسكندنافي . مثلما يختلف سكان           ( فينيسيا) بطبعهم اللاتيني الاوربي  الدمث عن صخب سكان (روما) وخشونة صقلية. كذلك هي مقاطعة ( كتالونيا) الاسبانية حيث نشأ وعمل الفنان (جوان  هيرناندز بيجوان) في هذه المقاطعة الشمالية منسجما وارثها البيئي والخلقي متشعبا بحساسيتها المرهفة. وكما يبدو من تفحص اعماله  نجد انه ليس من الغرابة ان تكون هناك وشائج قوية تربط نتاج هذا الفنان وانداده الكتالونيين الاخريين وابرزهم (تابيس) مثلا, اذ ان معظمهم اشتغل على تفعيل سطح العمل باختزال عاطفي مثير   .

 

   اقامت قاعة الفن الرئيسية في مدينة (مالمو) جنوب السويد معرضا استعاديا لاعمال الفنان (هيرناندز) وكانت مناسبة لتتبع سيرة هذا الفنان الاسباني الذي بدا مسيرته الفنية في زمن التمرد والتنظير لتجاوز الحداثة بداية الستينات من القرن الماضي . اعماله الاولى قراءة مستجدة للتعبيرية التجريدية التي اختزلها  لحد ادنى متجاوزا صخبها الديناميكي المتمثل باندفاعات الالوان, تجريح السطوح و تفتيتها او بعثرتها , ومتجاوزا كم العاطفة المدثور والمتفجر الى حركة تكاد تكون سرية في اندفاعاتها المموهة خلل وسيطها اللوني الاحادي في معظمه للحد الذي يوهمنا بمقارنتها بصحائف اوفسيت خطية مموهة بظل لوني وبأقل درجة. هذه المعالجة المتقشفة لازمت الفنان في عطائاته القادمة التي كرست فضاء المرسم معملا لتقنيات جديدة كانت (نافذته) اطارا للفضاء الخارجي. بينما كان بحث الهولندي( موندريان) هندسة الطبيعة بأطر هي جزء من فضاء الحقل الهولندي المسطح بما فيه من اشجار ونباتات .  اما ( هيرناندز) فقد حول الطبيعة المتلصص عليها من اطار نافذته الى حقل تجريدي بدأ اختزل التربة البيت الاشجار والغيوم او ايحاء الفضاء الى حدها الادنى في اعماله الكرافيكية باللون الاسود والرمادي في السبعينات. بعد ذلك لازم التقشف اللوني عمله مع ولع كبير لتفعيل سطح العمل الذي ازدادت كثافة صبغته واهمل بقصدية حافاته مما جعلها لا تخلو من جمالية مبعثها تكريس هذه الحافات لاثارة حسية تولدت من تضاد  انبساط كتلة الوسط وشد النهايات. لقد تحول العمل بمجمله الى دراما سرية تندفع لحدوده السائبة , يتجاذبها كثافة الدهان وخفة الحواف المهملة الا من اثر اللمسات الاولى. وجد الفنان هنا ظالته بما وفرته محدودية ادوات عمله المقننة والمختارة باعتناء, ثم استمر يحفرسطوحه الاحادية اللون وظلالها بخطوط مستقيمة متوازية ومتصادمة اومتعرجة هي حرث حقول , دوائر هي رمز للشجرة والوردة , بصمات ابهام كثيفة هي موسيقى الحقول. استحضرت نافذة مرسمه اومعمله كثافة التربة اشجار الحقل ذرات الغبار وكثافة الغيوم وتحولت هذه النافذة الى بؤرة سحرية انصهرت عناصر الطبيعة في بوتقتها وتحولت الى عجينة قابلة للتشكل وبحسابات هي جزء من طبع مرن يقلب نتائجه ويوزنها بموازات حس بيئته. الفنان الكتالوني الثاني ( تابيس) هو الاشهر في الوسط الفني العالمي والعربي. بدأ سرياليا بتأثير من وسط بيئته الثقافية وصداقاته لرواد السريالية الاسبان . امتزجت رسوماته الاولى بنصوص احلامه وهلوساته اللذيذة. تحول فيما بعد لأستقراء بنية الجدارومكوناته المعمارية تصنيعا وتجميعا , مدونا تواريخه الخاصة, تصدعاته, اشاراته, مدوناته واحافيره المتعاقبة. لقد تحولت مسارات احلام الفنان الشخصية تنقيبا في ازمنتة ايقونات محيطية فاختلطت تصدعاته الداخلية وتصدعات الخارج ليستقي منها عالم غريب يقوده شيئا فشيئ الى افق اوسع يتداخل فيه الذاتي والجمعي. منقبا في مرحلة ثانية وبتقنياته التي يوسعها باستمرار في اجزاء الجسد البشري حد فنائه رجوعا لبعض من تواريخه السابقة. هذا ما نجده في سطوح اجساده الثقيلة المجرحة والمتاكلة وفي علامة القبر والصليب المتكرر, كذلك في كتله المكتفة التي تختلط فيها الاشياء العادية بالقماشة والضمادة. اعماله هذه بالوانها الكثيفة ومواد صبغتها واصماغها والعديد من المواد المضافة الاخرى الموظفة بحساسية عالية شكلت اسطورته الموازية لابرز فناني جيله من الاسبان. ان في اعماله قدر كبير من تدابير العقل والمران الطويل. لقد اختلفت سبل بحث ( تابيس) عن ( هيرناندز) في ان الاول استنطق محيطه المدني بقراءة مدوناته السرية من على اسطح جدرانه, في الوقت الذي انسل الثاني الى حقوله , وما جمعهم هو وحدة المزاج وكم متوازي من اداة صنعتهم لحد الالتباس في بعض من مفاصلها . لقد ارخوا وبحساسية عالية مزاج بيئتهم الاسبانية الشمالية البيئي والوجداني.

   لم يبتعد العديد من خيرة فنانينا التشكيليين العراقيين منذ اواسط الستينات في بعض من طروحاتهم عن روح نتاجات الفنان ( تابيس) الا بقدر اختلاف مناطق بحثهم الخاصة. , بعد انبهارهم بنتائج هذا الفنان في نهاية الستينات في حقل السطح وما تحمله احفوراته واشاراته الزمنية  من مقاربات فكرية وبيئية, وعلى ما يبدو فان اثره لا يزال لحد الان ظاهرا في العديد من اعمال اجيال احدث مع اختلاف بسيط في وسائط التنفيذ وسعة في مساحة التأويل . مثلما يبدو للوهلة الاولى ان الفنان ( هيرناندز) يدور هو الاخر في فلك هذا الفنان ايضا وباختلاف زاوية النظر الاستيتيكية خاصته. فالاثنين قادتهم ذائقة خاصة تشتغل على الاختزال تارة وتارة اخرى تفعيل سطح العمل وتكريس اشياء كثيرة من المحيط بحذلقة معملية مدهشة تتعدى التجريد لما بعده.  تقودنا هذه الملاحضات عن الشمال والجنوب الى نضائر لها في التشكيل العراقي. فلو تتبعنا نتاجات فنانين , وعلى سبيل المثال من مدينة الموصل الشمالية ونتاجات لفنانين من بغداد وحتى البصرة . نجد ان نتاجات ابرز فناني الموصل لا تتعدى الواقعية بمدارسها المختلفة, لوحات ومنحوتات تفسر نفسها بنفسها , الا ما ندر, وحتى غالبية اعمال الفنان ( راكان دبدوب) , اما الفنان ( سالم الدباغ) فقد اشتغل على تجريدية متقشفة احادية اللون في معظمها ان لم تكن كلها , كرسها على مدار زمن تجربته, وعلى ما يبدو فان لاقامته ومنذ زمن مبكر في بغداد سبب في اختلافه عن نمطية اقرانه الشماليين. مع ذلك فقد بقيت اعماله تحافظ على مسافة محسوبة عن اسالبب تعبيرية متوهجة لفنانين عراقيين عديدين. كذلك لفن الخط العربي مساحة كبيرة في المنجز الفني لمدينة الموصل, هو فن قياسي ملزم بقواعده الموروثة المحسوبة وباجادته المدرسية وعلى مسافة تبقيه على مبعدة عن تجارب مدارس الفن الحديثة والمستحدثة رغم محاولات محدودة في اظفاء لمسات جديدة على هيكلته الرئيسية وديكور خلفياته. من بغداد انطلقت شرارة التشكيل الاكثر توهجا لتعم بقية العراق. لا نخوض في تفاصيل النشأة فهي لا تعنينا هنا. في بغداد ومنذ البدء اختلط المشروع التشكيلي بالاجتماعي والثقافي والسياسي وكان البحث عن اللون الفيزيائي والمحلي جنبا لجنب مع الملحمي والاجتماعي , كانت فترة تعرضت في تقييمها لالتباس كبير من اجيال احدث, لم ينظر لها كجسر لازمنة قادمة اكثر حذلقة وانفتاحا بسبب من شساعة المساحة المتاحة لهذه الاجيال للاطلالة على مستجدات النتاج العالمي لو تفحصنا نتاجات مختارة لفنانين ينحدرون من الوسط حتى الجنوب منهم ( كاظم حيدر, اعمال فائق حسن التعبيرية, رسومات اسماعيل فتاح المتأخرة, بعض نتاجات علي طالب وصالح الجميعي وضياء العزاوي, فاخر محمد, حميد العطار , واخرين) لوجدنا كما لا يستهان به من وهجا عاطفيا موازيا لما تخزنه الاعمال التعبيرية الاوربية وحرارة اللون الشرقي رغم اختلاف الاساليب وشحنة التعبير التي تختزنها ذواتهم. نفس المعادلة نراها فيما نجده في نتاجات فناني الدول الاسكندنافية وخاصة ( فنلندا والنرويج والسويد) . لقد تشكلت ذائقتهم بموشور الوان  البيئة الثلجية الباردة,  فاغلبية نتاجات التشكيل عندهم لا تتعدى عائلة لونية باردة ( مطبوخة) حسب تعبيرهم المفضل مع تحاشيهم لاثارة الالوان الصريحة (النقية) وخاصة الحارة منها التي تشكل في النتيجة تضادا حادا مع ضبابية بيئتهم , بالطبع هناك استثناءات فجرتها سوداوية نابعة من الفردانية العالية التي هي نتاج لتفرد وانزواء بيئتهم القاسية ( الغابة والمساحات الثلجية الواسعة) المفتقرة لشمس الجنوب. خير مثال على ذلك اعمال الفنان النرويجي المعروف ( ادوارد مونخ) الذي فجر التعبيرية الالمانية. كذلك  جماعة ( الكوبرا) التي تشكلت من فناني( الدانمرك , هولندا , بلجيكا والنرويج) بصخب الوانها التعبيرية المتوهجة ومواضيعها ذات المنحى الايقوني الطفولي والتلقائي بتأثير من الاعمال المشرقية والجنوبية التي اخترقت التشكيل الاوربي في بداية القرن العشرين  بعد انطلاقها من ( باريس) . نستثني من هذه المعادلة المنجز التشكيلي لامريكا الشمالية وخاصة الولايات الامريكية المتحدة لخصوصية تأسيسه الحداثي وما بعده , المؤسساتي منه بالذات.                                                                                          ثم ملاحظة لا بد التنويه عنها وهي فرادة نتاجات الفولكلور العالمي لما يبدو فيه من وحدة تكاد تكون متشابهة للعائلة اللونية المتوهجة وتفاصيل بيئية مرمزة في غالبية نتاجات الرعاة والفلاحين من القطب الشمالي حتى الجنوب, سواء في السهوب الخضراء او بوابة السماء, الاسقاع الجليدية. هنا تتشكل وتتأرشف الذاكرة اللونية الانقى والاوسع, ذاكرة النبع الوجداني الاقدم والاصفى. ربما تكون خزيننا الوجداني لعقود قادمة تفتقرلوهج العاطفة وحراكها الحيوي.

.........................................

  (1).. اميل نولدة. عن حاضر الفن, لهربرت ريد

.........................................

     علي النجار..مالمو..18-03-04

    ....................................................................................            >

نشرت في ايلاف و صحيفة النهضة العراقية