|
البيت العراقي في تجميع لعبدالامير الخطيب وستار الفرطوسي
في عمر ما حينما كنت مولعا بتصفح مجلدات سومر في مكتبة الاثار العراقية اكتشفت بيوت ازقة بغداد القديمة في عصر النبي ابراهيم (ع) , ما اثارني حينها انها هي التي اورثتنا بيوتنا البغدادية المستكينة وسط محلاتنا العتيقة. هي بيوتنا التقليدية في كل حواضرنا التي حملت نكهة التاريخ مع حلوله المثلى لمعالجة تقلبات مناخنا القاري. دائما تتوسط البيت (الدار) ساحة مستطيلة او مربعة تحيطها الغرف ذات الاغراض المختلفة. يضللها من الامام سقف يستند الى اعمدته مانحا اياها الافياء ومانعا الامطار من اختراقها. هذا الدار الذي تدور حوله مساحات الاقامة ومنافعها استغله فنانون عراقيون يقيمون في (فنلندا) من اجل اغراض اخرى. في الرابع والعشرين من اذار من العام الحالي وفي احدى قاعات المركز الثقافي العالمي في مدينة (هلسنكي) استحضر الفنانين (عبد الامير الخطيب) و(ستار الفرطوسي) سكنهم العراقي بتداعياته الحاضرة.تحول السكن هنا الى اقامة ما في مساحته , مساحة فضاء سكنهم الافتراضي لا تتجاوز الاربعة امتار طولا والخمسة امتار عرضا, وبما ان الدار بمعنى ما رحم للاقامة والسكن, وفي حالتنا العراقية اورثتنا اياه كتبنا وعاداتنا الاولى وتوالت ولادات انسالنا في حضن دفئه حتى اوصلته رعونة نظام الدكتاتورية الشمولي الى ما هو عليه الان من تفتت وتمزق واستباحة. لم يعد السكن من خلالها سكنا ولم تعد مساحاته امنة. اقتطع الخطيب مساحته مع الفرطوسي ودونوا لنا انطباعاتهم , قرائاتهم اوقرائنهم في عملهم التجميعي . فرش الخطيب وسط ارضية مساحته التي تحيطها ثلاثة جدران كتلة كتب والعاب اطفال واشياء بنائية اخرى تضيف تماسكا لعمله وعمل على تدمير ما انشأه , فكانت الحصيلة ثقب واسع يجرف و يبتلع وسطها مع نثار من بعض كتبه العربية (في اشارة الى جغرافية الحدث) والعاب الطفولة المحروقة, ومن اجل ان يكون السكن ممكنا بشكل من الاشكال وسط هذا الخراب , استقر مهد طفل طاف معلق من السقف , اما الحيطان الثلاث فقد اصطبغت بعتمة اعمال الفرطوسي, لوحاته هنا هي رجع صدى الارضية المتفحمة واشيائه المنثورة خلل رسوماته تتجاوب ونبض مكوناتها المتفجرة, وعلى ما يبدو فان لوعة المشهد افترستهم بنفس الحدة.
( لم تكن الارض جسدا كانت جرحا كيف يمكن السفر بين الجسد والجرح كيف تكمن الأقامة) (1) الكتلة بركان هامد افتض جسد الارض وراح عابثا , مشهد الفناه يوميا من فضائيات انتهكت موروثنا الخلقي , والعلمي الغابر. اناسنا كتب سطرها الزمن وسال حبرا ودما عبر تاريخ نتذكره دوما في مناسبات مفاخراتنا او كوارثنا, ثم وصل بنا الامر الى عرض جروحنا في مركز عالمي لثقافات العصرومدوناته المتحضرة. هذه الرقعة من الارض التي تكرس الجمال والرقة وتقدس الطبيعة والطير والحيوان وكل مخلوقات الله في هذا البلد الشمالي, صدمة هي حصيلة العرض هذا وما برره واقع حالنا الذي لم يعد مخفيا على احد في العالم اجمع, هكذا اعمال ملتبسه لا تبتعد دوما عن واقعنا الملتبس هو الاخر,من هنا جائت اهمية هذا العمل ومن غبار نثار التساؤل عن ماهية اغراضه وفحواها. العمل هنا ادانة, والتساؤل: ادانة من? النظام الدكتاتوري ام احتلال العراق ام الاثنين معا ? وكل منا حر في ادانته الخاصة وما بين تفاصيل العمل وطريقة انشائه , بين اللون والحطام تكمن ادانة ما تدعو المشاهد(المتلقي) الى استكناه غوامضها. عمل الفنانون على ان يكون الدخول الى هذا الدار او الغرفة عن طريق باب صنع على صنو ابواب البارات الأمريكية (الكاوبوي), كأن الغزو وحطامه نزوة نشوة سكرا وعربدة منفلتة, او مغامرة من مغامرات سهوب الغرب الامريكي. هذه الايماءة ربما ترجعنا الى اشكالية العصر عن ما هية اسلحة الدمار وتحالفات مجموعات الارهاب, ويثير العمل ايضا غبار اسئلة مضاعفة , فما بين انتهاك قدسية الثقافة ومدوناتها, الكتاب , والبراءة في مدلولات العاب الطفولة, ومصادرة الدار, ومناحة مهد الولادة واختراق الكاوبوي تكمن لعبة انظمتنا المحلية العربية والعالمية او (العولمة) بوجه من وجوهها, وكما يبدو من الشكل العام للعمل ان كل هذه الدلالات انجرفت في دوامة هاوية ثقب افتراضي يقود الى الفناء وتركت بعد كل ذلك لوعة تنساب من قعرها لذواتنا. بما ان العمل الفني في زمننا هذا يشتغل في بعض مفاصله على الاثارة او الافتعال المثير او اثارة الاسئلة , فعلى ما يبدو ان هذا العمل نجح ضمن هذه الشروط للحد الذي دعى مديرة (المركز الثقافي العالمي) الى تمديد فترة العرض من ثلاثة ايام الى شهر. كان افتتاح المعرض(الفعالية) وقتها مثيرا باستقطابه العديد من اعضاء السلك الدبلومسي في (هلسنكي), اضافة لجمهور اخر انشد الى عنوان المعرض وثيمته وساهم في اثارة الاسئلة واكتناه ماهيته حد التناقض.وعلى ما يبدو فأن هذه البقعة المحترقة المسودة اثارت غبارا وسط كم اللون والتعبير المناقض الذي الفته هذه الامكنة , اثارة تقود المشاهدين الى اصل البلوى التي ابتلينا بها في العراق وفي بقاع اخرى يحجبها عنا ضباب كثيف. من هنا تجيئ اهمية هكذا عروض تأتي من كونها تعاصر الحدث, ثانيا تحاول مناورته او محاورته بادوات كانت غريبة عن منطقته منذ زمن قريب, وثالثا ارى انها الاقرب الى تفسير محنتنا لتعدد مصادر الحدث وفاجعيته التي تتعدى من اجل التعبير عنها ادوات التعبير التقليدية, هذا لا يعني استنفاذها , لكننا في صدد مسايرة زمنا بمستجدات وسائل ابداعه المستجدة كأضافة كمية ونوعية توقض اثارتنا التي باتت عزيزة على الاثارة ضمن الكم الهائل من الاساليب الفنية والتقنية منها. ....................................................... (1) اودونيس (تاريخ) .................................. >علي النجار /السويد |