بوح البصمات

 لم يفارقنا قرع طبول الحرب منذ نعومه اظفارنا,منذ [ هنا برلين يحيا العرب ] و الحائط له آذان. جدران موشومه باعتراضات على حرب في كوريا, مظاهرات تندد باستعمار, تحالفات و تزوير انتخابات,مظاهرات تندد بعدوان ثلاثي.تفاصيل عن قلع اظافر و نتف شوارب.كان ذلك في زمن بائد.بعدها اخترقتنا صدمة البيانات الرسميةأشدها وقعاً ما حمل رقماً مشؤماً والذي كان كل شئ فيه مدبر مسبقاً .ثم بقيت كل ازمنتنا مدبرة بحرب في العلن و حرب في الخفاء ,  قرع طبول منذرة دوماً بالموت .

كيف لك ان تختزن الالم علي مدار زمن كل ما فيه مؤلم بدون سند يمنعك من الإنهيار ,وهل بإمكانك الحصول على فسحة من هدوء تُمكنك من التأمل أو الصمت , أم إن قلقك المستحكم  من فقدان ذاتك او بعثرتها بلا  جدوى يبقى ملازما لك.

  ليس القلق منه وما ينتجه لا يتجاوز التشنج والضجيج إلا ما ندر وما نحاول أن نكسبه من لحضات  الإستناره شئ ثمين, غالباً ما يستحيل ركاماً.

  لقد استهلكتنا منظومة الجهل و التعتيم والمصادرة التي تبنتها حكوماتنا المتواطئة على وأد شعبها بما تيسر لها من أسوأ مخلفات القبلية و هامش سقط متاع تأريخنا الذي جيرته لصالحها.

  شهواتنا تنبع من احاسيسنا، شهواتها تقبع في عفونه بطونها وشراسه اطماعهاوساديتها التي فاقت الحد.

                                 .........................

 كيف لك ان تختزن الالم على مدى زمن كل ما فيه مؤلم بدون سند يمنعك من  الا نهيار   

[التعلم في الصغر كالنقش على الحجر]

 محايدأ و أنت عصي على ذلك. ليس لك إلا أن تحفر في خلايا جسدك و تتغذى على مخلفاته كي تصون جوهرك الذي يتكلس بإستمرار.

  في الزمن الاول صغاراً كنا مولعين باللون و النغم والمعرفه. ان نحلم بان يكون لنا صوت او سحر اكتشاف حقيقه من حقائق, أو فعل للتغيير. ونشأنا لنكتشف اننا جزء من قطيع هيأته الظروف للذبح مع حكم مؤجل مشروطأبإقامة جبرية. بقي النقش مستوراً خلف جلودنا يفصح عن نفسه كلما سنحت فرصة ولو بحدود دنيا.

.......................................

عن الصدمة و الترويع

 في عقدنا الثمانيني اطعمونا جثثا [كل ما هممنا للعشاء اطلت علينا من شاشة التلفاز جثث قتلا نا أو قتلاهم في قادسيتهم الثانية] وليس بإمكانك أن تجترح معجزة لتعيد احباؤك المفقودين , المغتالين, المغيبين,  المهاجرين ,المهجرين. كان السجن لي في الستينات شبه انفرادي وأصبح منذ الثمانينات انفرادي.

 ايه عزله حملتها في ثناياك, لو لم تمنح نعمة الفن لكنت منتحرا او معتوها. رغم انك جربت الاثنين بين الحين والحين.

 كانت صدمة في العام 1991 وجدران منزلك باثقاله من الآجر و الإسمنت تختض مع كل صدمة صاروخ بجسر او بناية, ومحطة وقود او مياه.

 مرة شعرتُ بجدار منزلي يتخلى عن اسناد ظهري.

 مرة خلت هدير المضادات الجوية االتي تحوطنا تنقض على سطح داري .

 كانت الشوارع على سعتها تنوء بصمتها ونفايات الحرب، وضاع كل شئ.  

 أن تعيش زمن القصف وتوقع الهلاك تكون محترزا جهد إمكانك،

تغلفك لامبالات افتراضيه, خط دفاعي, مناعة وسط متاهة اللامعقول.

  حالك مختلف وأنت في غربتك بعيداً عن الحدث وأنت تلتقط من شاشات التلفزة تذكارات ليست كما عهدتها عن بغداد وهي تهدها سحابات التلوث السوداء وحطام مبان في الحارثية, المنصور, الشعب, الحرية, الزعفرانية, الصا لحية وجسر التحرير. أو أنت تنبش ذاكرتك لمعرفة مكان هذا الحطام أو ذاك... فارقك النوم إلا لماماً, عاد صداعك المستديم أشد شراسة. أنّت جروح دواخلك الملتئمة مرة أُخرى. أين هم فلان و فلان وفلان ,أخ, قريب, صديق. مخلفات عمرك المرمية هناك. مخلفاتك سرقت , عمرك سرق كما سرقت مخلفات سلالات أنت آخرها .

  من أجل خلاصك وخلاص رعيلك وبزمن قياسي, لم يكن في أيديهم غير الصدمة والترويع. ولم يكن بيد انظمتنا هي الاخرى من أجل خلاصها إلا الصدمة والترويع. في شباط 1963 وفي 1978 و 1979 وعلى امتداد زمن قادم تجرعنا صدمتهم جملة واقصاطا.

  ايها العسكر هل بامكانكم ان تتركوا لنا فسحة من أجل ترميم ذوتنا. إحصوا ضحاياكم ولو مرةواحده لتقفوا على حجم خراب آلتكم التي استهلكت كماً كبيراً من وقودها المسموح والمحرم, المؤدلج بسياق سياساتكم . ما همكم كم التلوث الذي اضاع مساحات من رقعة وطني و للأبد.

 ............................................

عن الجسد والتلوث

مقتطع من كتابة سابقة

 للجسد انتصاراته .. ديناميكيته,حبوره,نزواته [شهواته] الخاطفة.  للجسد كذلك عثراته العصية على اللمس.وبما ان العين فاحصة والجسد سيار ملازم.

هي محاوله للسير بمحاذاته او التقاطع مع مسيرته و الانعطاف لتلمس ندوبه ما ظهر منها وما استتر في لحظات انفجاره مروراً بحقل الغامه.

 بما إننا شهوداً على أجسادنا التي حُشرت في غفلة من الزمن في حاوية مقتطعة من رقعة كوكبنا الارضي.

 للتلوث عالمه الملون المتوهج الذي يتقاطع مع ملونات اخرى, ما بين انفجار و كمود, ما بين دمل و قيح.

هل يكفي لسق ضمادة مطهرة على برزخه ام على قصاصات اوراقنا, بعد ان لسقناها على شفاهنا و ما تبقى من نسيج اجسادنا. و هل الضماده و اطيافها ملونة حقاً ً  ؟

........................................

عن البصمات في اعمالي الورقية الاخيرة

  بصماتنا هي نتاجاتنا, معادلتنا الرابحة.

البصمات في بلدي تعني الكثير, فهي مدخل للسجن, و هي تحقيق هوية, وهي شهادة للجنسيةوالتجنس، هي شبهة دائمية. لم أجد غير بصماتي شاهداً على حطام بلدي المتناثر بعد ان إستباحوها سابقاً و لاحقاً ولأكثر من مرة. ويبدو إن تدوينها على الورق كان ثقيلاً ثُقل الكارثة.

..............................................

 

سؤال عالق

 سؤال يتبادر للذهن, أين شواهد كارثة الشعب العراقي على إمتداد زمن سلطة القهر السياسي , بحروبها واضطهادها المنظم.

ما نبحث عنه شواهد بحجم الكارثة.

 إحيانا نعثر هنا وهناك على بعض أعمال تستفزنا, أو تُثير فينا شجناً مكبوتاً, ليس للحد الذي يفجعنا كما فجعتنا تواريخ محننا.

 كان تحدي التشكيليين في بلدي يتضح من خلال مهاراتهم في مراوغتهم احيانا للمسموح وبالتالي نفيه وعزله بحدود ضيقة. كانت خيرةالاعمال التشكيليه تراوغ مستغلة جهل القيمين الرسميين على الفن, ليس وصولاً لحد الإستفزاز المباشر والمعلن.

 ربما يكمن السبب في كوننا تجرعنا محننا جرعة جرعة بدون فسحة للتأمل والإستنطاق.

 أو إن كم الرعب شل

حواسنا, فكان  هروبا من مواجهة صعبة على إمتداد حافة زمن مُعاش بحس الفاجعة والخوف من مُصادرة الحياة. مما إستدعى بعض الإحيان منا المخاتلة خلف قناع الرمز والتورية. أو إسقاط فاجعتنا على فواجع الآخرين بما يواءم المسموح ضمن الايديولوجية المعلنة. كما لا ننسى ما لخاصية التغريب واغراءاته في التشكيل العالمي وتاثيره على التشكيل العربي والعراقي منه سواء الحديث أو المعاصر. ومغامرات الأجيال الأحدث في الإبحار بمدياته,وخلو كل ذلك من رومانسية الثورة وتداعيات المحيط.

  يبقى السؤال عالقا في الذهن .. مع كل ما مر بنا هل كان التشكيل العراقي ولا نستثني منه فناني المهجر قاصراً عن التعبير بشواهد بارزة عن محننا التي وصلت في مرحلتها الاخيرة للتدويل  ؟

  سؤال ننتطر ردود فعل غير تقليديه عليه. وان وجدت هذه الشواهد هل بالامكان اعلانها مشروع شهاده عما لحق بانساننا العراقي على امتداد نصف قرن من زمن مضى،سواء في داخل العراق او خارجه.

.............................................

ملاحظة ..

الاعمال الورقيه المنوه عنها في البصمات هي الاعمال المائه التي نفذتها في الاسبوع الاول من الحرب الانكلوامريكيه على العراق والتي عرضت من على قاعة

Tapper- Popermajer  في مدينه مالمو          

نشرت في جريدة الأهالي 

   علي النجار       مالمو .. السويد 04-04-2003                                                             >