التوثيق في التشكيل العربي والعراقي

 

 ليس في الامكان اغفال ما انتج من اعمال تعود لفنانين تشكيليين عراقيين وعرب او عموم بلدان العالم الثالث,, وهي تسمية باتت متداولة بفضل ظروف هذه البلدان وما صاحبها من نهب لتراثها في زمن غفلتها الحضارية,, بعد ان كادت اوربا تستهلك موروثها الجمالي, وبات البحث عن مصادر اخرى ضرورة, ليس بالمفهوم الرومانتيكي الاستشراقي, ولا مثلما عامل الانطباعيون الرسوم اليابانية التقليدية بتوظيفها لتوسيع مناطق ادائهم الفني, او التكعيبيون باستلهامهم منحوتات ادغال افريقيا.. بل بالتعامل نديا مع افضل ما تنتجه هذه الشعوب في زمن لم يعد فيه المركز هو الفاعل الوحيد

  

 من هذا المنطق نجد ان على فناني هذه الشعوب التأكيد على مناطق ادائهم كمحيط ومناخ وكأرث حضاري يفيدهم بقدر حاجتهم العصرية لذلك وبما يعزز بعض من تميزهم بقدر مالهذا الامر من فاعلية الاستمرار والتجديد. وبمراجعة جادة للعديد من المنجزات التشكيلية الافريقية المعاصرة , مثلا, نكتشف حجم الاختلاف بما وفر لهم فهمهم لشروط العمل الفني بمناخاتهم الخاصة وضمن ما كنا ندعيه لعقود عدة من محاولة العمل على تفعيل تراثنا بمستجدات الحداثة او المعاصرة والتي اكثرنا من التنضير لها ثم اقتصر الامر على حدود دنيا كانت تحاور معضمها الحرف والزخرفة والتي باتت مغرقة بعاطفة متهافتة في معظمها الا فيما ندر وفي الامكان رصدها جداول رمزية مكررة, هي كم كبير يؤلف حوالي ثلث مساحة التشكيل العربي وبما تحمله من اغراءات سهلة لتوسيع رقعتها. بالوقت الذي غابت عنا مناطق تعبير اخرى من الممكن اكتشافها ومحاورتها, مدلولات بيئة وشعوب مناطقنا, لونا, تعبيرا, تفسيرا, تجسيدا موازيا لجغرافيا خرائط وأدمغة.

    ربما يعود بعض من قصورنا كفنانين محترفين لقصور مناهجنا الفنية باغراقها بما عافه الغرب منذ عقود. مع استثناءات لم تقاوم بما فيه الكفاية كالتجربة المغربية بداية السبعينات في بعض من استشرافاتها الميدانية البيئية, عبرلفت النظر لموروثهم لونا وخزفا ونسيجا وحتى تربة ومواد اولية اخرى

    لا تخلو الكتابة في النقد التشكيلي من الانارة والتوثيق مؤخرا وعلى الصعيد العالمي. بعد ان بات لكل فنان الحق تفسير اعماله وطروحاته, هذا امر نكاد نفقده في عالمني العربي. كذلك هناك اغفال واضح لتجارب مهمة لم تساير الطروحات القاصرة المغرقة بالشكلانية المتهافتة وانماط محدودة اخرى. من امثلة هذا الاغفال ما تعرضت له تجربة الفنان العراقي,,ارداش كاكافيان,, الخصبة. هي تجربة بعيدة عن مسارات مألوفة لدينا منذ لوحته المبكرة ..بائع الفستق,, في نهاية الخمسينات وحتى مجموعة اعماله الكرافيكية,, ابر الذاكرة,, وما عرضه في بينالة بغداد الثاني وما بعدها. ان فرادته اهلته مع جواد سليم لولوج معجم ,,لاروس,, ذي الصبغة التوثيقية والتقييمية العالمية. وعلينا الان الاحتفاء به باعادة اكتشافه وبما يليق به  من اجل انعاش ذاكرة التشكيل العراقي بمحاور هي من نتاجاته البارزة

  

 هذا الفنان الذي كان مولعا باستنطاق ذاكرة لم تبرح وطنه رغم اقامته المزمنة في دول الخارج , بسبب من تشبعه بعمق انتمائه وسطوة حضارة بيئته الاولى. هو مثل العديد من الاخرين تدرب كثيرا في الغرب, لكنه سخر موهبته الفذة بما توفرلديه من دراية و دراسة للتشكيل ومن ثمة الهندسة المعمارية , من احياء لذاكرة المكان والسياحة في اجساد هي بعض منه. لقد اورث اعماله زخما تعبيريا تعدى الانفعال للاحاطة بعوالمها وهواجسها المشيدة برهافة الفطرة و سطوة المعرفة التقنية بادوات عمله. من هنا نجد انه ليس من اليسير علنا ان نصف تجربته بالواقعية او التعبيرية كمصطلحات جاهزة تحيلنا لمديات مناطقها دون الالتفات الى هاجسه الشخصي باستنطاق ذكرياته و احلامه الاولى التي يسترجعها بين الفينة والاخرى بزياراته المتعاقبة لوطنه الام

   كم هو عسير ان تنفذ اعمالا  تتسم بمسحة واقعية دون ان تقع في تأثير الكم الهائل من مألوف مدارسها. هنا بالذات يكمن تفرد اعمال ,,كاكافيان,, ببنائاتها واختزالاتها وفصاحتها. وفي مجال تفحصنا لاعماله في فتراتها المتتابعة, نجدها لا تبتعد بشكل من الاشكال عما تبثه اعماله الاولى من مقدرة على تضخيم للجسد الانساني او السياحة في بعض من تفاصيله او تماهيه وبقية عناصر البيئة وحيز المكان الذي يشغله. هي مشبعة دوما بالوان فيض عواطفها وما يبثه محيطها 

    اعماله بمجملها مورث اخذ حيزه ضمن اعمال اسلافه المعدودين وبات علينا الاشادة بها لاثراء حصيلتنا الجمالية ولكي لا تضيع مثل هذه التجارب  الفنية المهمة في زمن متهافت متسارع نكاد نفقد فيه معظم ارثنا التشكيلي او نحن في صدد فقده فعلا. وكانت خيبة فعلا ان لا نجد الاحتفاء بتجربته في احدث اصدار عن التشكيل العراقي في لندن مثلما اغفلت تجارب عديدة اخرى واكتفى بالمألوف المتوفر منها, وكما يبدو بسبب من عدم الاهتمام باستقصاء المعلومات الدقيقة من مصادرها. ربما الامر لا يخلو من عجالة او عدم دراية كافية بالاحاطة بأهمية هكذا مشروع إ صدار وضرورته في زمن ضياع العديد من الحقائق و المعلومات الدقيقة خلف واجهات عديدة, رغم الاقرار بصعوبة هكذا جهد. لكن الا يلزمنا التوثيق بامانة من اجل ان نساير الاخرين في ركبهم؟

 لا يعقل ان تتكرر تجربة توثيق التشكيل العراقي كل عقد او عقدين من الزمن بكل اخطائها النخبوية او العقائدية او المؤسساتية. يبدو ان ما نطلبه عسير  لكنه يجب ان يكون كذلك كشهادة حقيقية عن حقبة صعبة لاجيال لاحقة بعد ان ضيعنا الكثيرمما مضى

  بما ان زمننا الآن وكما يطلق عليه ,,المعاصرة,,مفتوح ومتفتح القريحة على نتاجات فن شعوب مناطقنا والمناطق الاخرى التي تجاورها, الا يحفزنا ذلك على اخذ مبادرتنا دون ان نقف في الصف خلف زملاء لنا من امريكا اللاتينية او شرقي اسيا او افريقيا وغيرهم . جميل ما يقدمه بعض من فناني لبنان او فلسطين ,, وخاصة المهاجرين,,او المغاربة والعراقيين او..الخ, لكن الاجمل والاهم ان نعي دورنا الحضاري بشروطنا الموازية لشروط حضارات العالم المعاصرة والمتممة لها, دون الالتفات الى مطب معايير السوق والتسويق لمؤسسات ومناطق تحاول سيادة حساباتها ومعاييرها الخاصة او الذوبان فيها

.............................................................................                         >

علي النجار

نشرت بنص مكثف في نسابا في اب 2002