البحث عن الوجه الاخر للتشكيل العربي
حينما ينفذ الفنان الامريكي (سام فرانسيس) عملا فنيا بمساحة 24 مترا مربعا او اكثر وبأدوات التنفيذ التي ابتكرها والتي هي جزء من ادوات التعبييرين التجريديين انفسم ( الاستغناء عن الفرش ولوحة الالوان والاستعاضة عنها بفرش تنظيف الارضيات ومكائن ضخ الالوان وغيرها من الابتكارات التنفيذية الغير تقليدية) , فانه يدون في محاولاته هذه تضاريسه ويبعثرموجوداتها على السطح الابيض الشاسع, تضاريس هي مدونات لخرائطه الموازية لهاجس الاستحواذ على بيئة فاجئته في ساعة ذهول, وبما انه لم يتدرب اكاديميا ولم تستحوذ عليه ادوات الاحتراف الاكاديمي, فقد استقى من منابع جذوره الاولى جرأة الوان الطفل وجسارتها غير بعيدا عن صدمة ما بقيت تلاحقه. اظافة الى ان تجربة بعض من جيله والاجيال التشكيلية الامريكية الاحدث( القصية بعض الشيئ عن متاهات التشكيل الاوربية وعراقتها الزمنية) اوصلت نتائجه الى اقصى مناطق تطرفها حيث اكتفت مساحة لوحته الشاسعة بالبياض المنثال حتى بعض من حوافها وزواياها. مثلما فعل (فانتانا) الذي اكتفي باختراق مشرطه سطح اللوحة الاحادية اللون بضربة واحدة او اكثر وترك لنا حرية استعادة ضربة الفرشاة من العدم بما يوازيه في فضاء اوسع.

الاستعراض والادهاش بتجاوز المزاج و المألوف في خارج حدودهم القارية اصبح جزأ من مساحة التشكيل الاميريكية( المقصود الولايات المتحدة) الذي ينأى عن المنجز الاوربي ليؤسس مزاجا استعراضيا متسارعا متقلبا هو جزء من قشرة مجتمعاتهم وبه يؤسسون ايقوناتهم المادية, تمائم موازية لهندسة محيطهم وثراء الاحتكارات وشراهة الامتلاك والاستحواذ. لقد بثوا جماليات صارخة ومبهرة متجاوزين حدود المألوف ومدارج التأمل ولوعة الذات. انتقى التشكيل الاميركي الحديث والمعاصر مصادره من التجارب الاوربية التي استوطنته( مارسيل دوشامب وغيره) على سبيل المثال بدادائيته المبكرة المغتربة والتي اشتطت بمنجزات اتباعه بعيدا عن مساحة التشكيل الاوربي, حيث كرس بعضها( البوب) مخلفات ( بضاعة السوق) قناني, احذية, موديلات, خردوات وما شابه, متاحف مصغرة للتأمل والاستعراض وانتهت برسوم الكارتون بلمسات فنية. لقد تجاوزوا نظراءهم الغربيين بخطوط واضحة صريحة من ( السكون, الجنس, الحركة, الابتذال الدادائي والاثراء الغريزي) انه عالم الاوبرا الاستعراضية( الفرتوزيا) الذي انسل منه فن البيئة والمحيط فيما بعد بالرغم من اختلاف الاهداف ( صحراء, وديان, مياه, جبال, مبان وجسور وغيرها) بمعترضات صالحة للتدوين والارشفة.

نحت( سيزان) مفردات الطبيعة بهاجس التجسيم وصهرها بالوان الانطباعيين الاكثر رهافة ورصانة فاورث (التكعيبية) بناءاتها ومستويات نظرها المتعددة, واسس( مونخ ) بتعبيريته الشمالية المتجهمة وبحساسيته المرهفة للتعبيرية الالمانية اساليبها المتوهجة. ثم استمرت الولادات الفنية في اوربا وكما كانت موازية لمنطق الفلسفة والحس والادراك الشعوري والاشعوري لكل مرحلة, مفسرة محيطها الداخلي والخارجي ومنفلتة في بعض من طرقها. اذا ما تجاوزنا السريالية, نجد ان (موندريان وكاندنسكي) اورثوا المنجز الاوربي مناطق التجريد المختلفة الاكثر ديمومة حتى وقتنا هذا. لقد تلبست مفاصل الفن الحديث الاوربية هياكلها بفلسفة مزاجها اللاتينية وهاجس الديمومة القصوى وارشفة زمنها مثقلة بارثها حتى ولو في مقاربات لزملائهم الاميركان الشماليين في وقتنا الحاضر, ان صياغاتهم تبقى تنوء بعاداتهم المكتسبة ضمن مناخ مغاير.
مما لاشك فيه ان الفن بشكل عام هو لغة العالم المشتركة الاكثر حضارية والذي اصبح ميسورا بفضل ثورة الاتصالات وباتت الاساليب الفنية مشاعة في مجال التأثر والتأثير وبمقتربات نسبية لم تلغ الجغرافية والمزاج الا بقدر الاستفادة من نفوذ التعبير والاداء.
من جهة ثانية ومن خلال الاطلاع على دوريات الفن التشكيلي الاسيوي المعاصر, نجد ان الامر بمجمله لا يتعدى الصيغة الاوربية بشكل عام في الكثير من الاعمال مع ملامسة طفيفة لمحمولات الموروث دون ولوج عوالمه التي من الممكن تفعيلاها بمقاربات روح العصر, والانغماس في وهم الخصوصيات. وكان هذا الوهم يراوغ التأثير الطاغي للحداثة العالمية كما يدونها روادها لا كما يجب ان نكتشف طرقنا التي تؤصلنا جزءا من التراث التشكيلي الحديث . وما الخصوصيات الموهومة هذه الا في بعض من ومضات مؤثرات البيئة المدارية المضيئة ووهج يكاد يخبو من الروح الشرقية بتفاصيلها الوجدانية.
بالوقت الذي تنافذت فيه القيم والصياغات التشكيلية العالمية شرقا وغربا, بقي المقياس النقدي الاستهلاكي الغرب امريكي يهيمن على السوق والاعلام لثراء مصادر تمويله وقدرته الفائقة على انتاج اساطيره التي تهيؤ ذائقة عامة.

اسماء تشكيلية عربية عديدة اسست هيكل التشكيل العربي من المشرق حتى المغرب بعد تدريب جيد على مناهج الحداثة العالمية , لم تبتعد عن محمولات موروثها بشكل مطلق عن روح الابداع الاسيوي والافريقي الحديث لكن غلبة الفولكلورعلى مجمل اساليبها المستحدثة ( منطقة الدلالة واللون المحلي المثقلة بالتفاصيل الموازية لعناصر الزخرفة العربية ومقارباتها) لم يدع لها مجالا للتطور او ولوج عوالم اخرى اوسع افقا واكثر دلالة الا ما ندر. ثم نضجت بعض التجارب بما استجد في اواسط الستينات من جدل( التراث والمعاصرة ) والبحث عن امتياز الهوية. و في ضل هذا الخضم ضاعت ايضا مهارات كثيرة من خلال تضييق افق البحث في جزئيات محكومة بضيق مساحتها الابداعية لصالح المستهلك الذي لا يرغب في النأي عن مساحة الفولكلور.
اعتقد انه منحت للفنان العربي مساحة شاسعة من الحرية في تنفيذ اعماله . فاضافة للتشابه الضرفي لحرية ابداع الفنان الاميريكي كانقطاع ازمنة التواصل التشكيلية حيث فاجأهم النتاج الحديث في غفلة من زمنهم بما حمله فنانوا اوربا المغتربين لظروف الحروب وغيرها. الا ان مخزوننا الاثري الذي اثرى اساليب بعض رواد الحداثة الغربية والذي يشكل المصدر الاهم ( اضافة لمصدر اخرى) لو تم تمثله بحس زمننا الحاضر وباستشرافات المستقبل. للاسف قصرت معظم الانجازات التشكيلية العربية المعاصرة عن ادراك هذه السمات لاشتغالها على جماليات السوق المحلي ونأت عن المنجز التشكيلي العالمي بديناميكية تسارع نبضه وشساعة مناطق استكشافاته ولم تعد تفسر واقعها. لقد كانت ولا تزال ازمنتنا مصادرة بكوارث تجاوزتها معظم اقطار العالم , فلا رعب الحروب, الحصارات, الاستلاب, التخاذل والقهر والعهر السياسي( والسياسة في مجتمعاتنا باتت خبز اليوم) وجد له صدى في في اعمال المنجز التشكيلي العربي هذا( الا ما ندر) بالوقت الذي عبرت فيه تجارب غربية حديثة ومعاصرة ( التعبيرية, التعبيرية المعاصرة, جماعة الكوبرا, المفاهيمية,جماعات السود..) عن كم الاستلاب والخراب البشري. في مساحة الالم والدمار الشامل. ما عبر عنه الفنان الغربي هنا من استلاب لا يقاس ولا يرقى الى نعانيه نحن العرب الغافلين عن محننا, فهل وجدت وسائل التعبير المعاصرة لها منفذا لأختراق قشرة منجزاتنا التشكيلية, ليس استنساخا وانما استنباطا من واقع عصي على الادراك.
.........................................................
علي النجار >
2001 March