|
للتشكيل مساربه الخاصة , نوازعه , متاهاته
, العامة والخاصة , تمسك الفنان بتلابيبه دون فكاك معظم الأحيان . مثلما تمسك
المشاهد المستفز او المستمتع او المتفاني . وفنان مثل ( جون نقاشيان ) يما
يملكه من حس وجداني عال , اسرته اعماله , او بمعنى ما اسره هوس اللامتناهي من
الفعل الفني . اداء بهكذا مواصفات , حتما يقع في اسار فخاخ التعبير الوجداني
والتجريدي احيانا ( بمرجعياته الحديثة ) .
قليلة هي الأعمال التشكيلية الفطرية في
التشكيل العراقي . ربما يرجع السبب للتأسيس الثقافي لفترة الرواد الأولى (
ثقافة بيئية وسياسة اجتماعية في ان واحد ) , ليس مثل التشكيل المغربي بحاضنته
الفرنسية التسويقية ( مثلا ) . وهي حقا نادرة الوجود , ما عدى اعمال الفقيد (
منعم فرات ) , ربما لجهل في اساليب اكتشافها , ربما لقصور المؤسسة الثقافية
الرسمية الداعمة , ربما لجهل الوسط التشكيلي بقيمتها الأ نسانية ( الثقافية
والجمالية ) . في الوقت الذي تتمتع فيه اعمال ( جون نقاشيان ) بفطرة عالية
رغم انغماس فعلها التشكيلي ( مراحل الأنجاز ) بحساسية التعبيرية ووسائلها
المعهودة . هي فطرة من نوع خاص . تستنبط انفعالات دواخل شخوصه المفضلة
ومحيطها الكفافي المتوهج . فهو غالبا ما يشتغل على جعل المتحرك ثابتا , لذلك
تفقد شخوصه المرسومة بعض ملامحها الفطرية لصالح ديناميكية معالجاتها اللونية
الحركية . مع ذلك فان ثبات ملامحها لا يتغيير الا بحدود انثلامات تهكمية او
وجدانية طارئة يحاول غالبا تثبيت نبرتها قدر الأمكان من خلال مكائد او مصائد
تراكم شضايا فرشاته

استمدت اعمال ( منعم فرات ) سماتها من
الأسطورة الدينية والتاريخية بحدود ثنائية الخير والشر وبنوايا ورعه الحلمي
الطاغي . انتج كتلا نحتية مكتضة بتفاصيل شخوصه المتراصة ( بايحاء كتلها
الصخرية ) , سواء الأنسية او الحيوانية المرمزة . بينما تبدو شخوص ( نقاشيان
) كأحفورات متحققة عبر تراكم صبغاتها اللونية المتوهجة , بالرغم من عدم فقدها
لعذريتها , عذوبتها واستكانة ملامحها . نسجها الفنان من عمق لاوعيه , او ربما
وعيه المدجن يهارمونية الروح ( السبيرو ) . هذا الفنان المتفاني دوما وروائع
النغم الكلاسيكي العذب , يشاكس دوما فرشاته وينقاد غالبا لنزواتها , وفي
النهاية يهوى عمله في شباك حلمه البدئي . شخوص وملامح مستلة من حاضر هو ماضي
. شخوص رغم ثقل كثافة ملونتها , لكنها دوما تداري هشاشتها ( الفيزيائية
واالجودية ) . ومصطلحات لمدارس تشكيلية حديثة مثل ( التجريد والتعبير
التجريدي وحتى الفطرية او الفطرة المستحدثة ) ليس لها حيز مستقل تماما في
النتاج التشكيلي المعاصر , كذلك هي بالنسبة لنتاج ( نقاشيان ) . الفطرة انتجت
او اثثت اصواتا داخلية وباحت اسرارها مباشرة في مجمل اعماله . لكنها ليست
العامل الوحيد الذي صاغها بشكلها المعلن ( المكتمل ) اذا كان هناك كمال , وهو
مالا يعترف به الفنان

بما ان الفنان مولع بالتشخيص , ليس كما
متعارف عليه في الأعمال الأكاديمية او الواقعية (بتشعباتها الأجتماعية
والسياسة ) , فان ولعه هذا يتمحور حول خلق علاقات انسانية هي بالأساس محكومة
بتمردها الداخلي الطاغي . فردية بقدر ما تؤكد نرجسيتها تتطلع خفية لمد جسور
مستحيلة فيما بين ذواتها المكتفية او المنكفئة او المتهالكة رغم عافيتها
الواضحة . انتفاء الهاجس الواقعي ( القصصي . التاريخ , الحادثة , الحكاية .
البيئة المنظورة ) يؤكد انتماء هذه الأعمال لعصرنا , رغم باطنيتها ( الشرقية
) كتأكيد لثراء منطقة جغرافية لا تزال تثير التباسا مصطنعا . والجغرافيا عند
( نقاشيان ) تتمتع بحميمة مفرطة تمتد اواصرها ما بين بغداد و ( ايرفان ) .
بين وطن ووطن مفقود ومهجر , اوطانه تسبح بشمس الشرق التي سرق نصاعتها ضباب
لندن ( الوطن المستحدث ) . شمس هي الوانه ووهج حرارتها , ودفء تتسربل به شخوص
اعماله , عسى ان يقلص مساحة عزلتها , او ربما عزلته .
( الحسي الخاص او الأدراكي الخاص
ينبغي لهما ان ينفتحا على العام الأنطولوجي 1 )
رغم ولعه بانهاك او استجلاء اشباح
عالمه ( طفولة عالمه ) الا ان حفرياته احيانا ما تنزاح لمناطق اخرى , ليست
بعيدة كل البعد عن هواجسه المستحكمة و بتأثيرات ثقافية ( اشعار اليوت مثلا ,
وبالذات قصيدته , اربعاء الرماد ) او لصالح منطقة تشكيلية هي الأقرب الى
ذاته اعمال ( ميرو ) , بما انه يسكن ويعمل منذ سنوات في انكلترا موطن هذين
المبدعين . مع ذلك ليس اعتباطا ان يتطلع عن قرب او حميمية لأعمالهم . فميرو
واليوت انشأوا عمارتهم الثقافية والفنية على اسس متقاربة , فكل منهم بحث في
اعمق مناطق التهديم من النفس البشرية , مأزق الأنسان المهشم , المحاصر ,
المستلب . بحثا عن الجذوة المنطفأة تحت ركام حضارة الزيف . عن الجوهر الذي
يحاولون استعادة نصاعته . تأثيرات ثقافية كهذه بالتاكيد تعيد صياغة اعمال
الفنان بما يعادلها من زخم التعبير . ما يؤكد ذلك استحداث مسطحات ملونة
مختزلة تندرج فوقها تفاصيل مكثفة اومختصرة تعبر السطح لزواياه او تتكثف في
وسطه , تفاصيل هي الطبيعة لحضة خفوتها او الكتل البشرية لحضة تلاحمها وسط
بؤرة الحدث . للفضاء في هكذا اعمال معادل تعبيري مهم نجح الفنان من الأستدلال
عليه . اعماله هذه ابتعدت بقدر عن مجمل نتاجه السابق ( لكنها لم تفقد
ملامحها الأبرز ) , ربما جاءت انعكاسا لوضع صعب يعيشه الأنسان العراقي
المعاصر سواء في بلده او مهجره . لكنها تبقى كانتباهة ذكية لكسر رتابة
الأسلوبية والتي ربما احس وقعها وسط قلقه الخلاق . ويبقى الفنان حرا في
مناورة نتاجه بقناعات متجددة او متحركة حسب وقع زمنها او لحضة اشراقها .
في
زمن نتاجه الأول ( من خلال مشاهدتي لكتالوك مبكر لأعماله ) كان مولعا باخراج
اعمال تقترب من مزججات الكنائس باطرها الثقيلة وبمسطحات الوانها . ولم يخلو
ذلك الزمن من بوادر ايحائية لحوشية اسلوبيته ( نسبة للوحوش او الوحشية
التشكيلية الحديثة ) . ويبدو ان عفوية الأداء الوحوشي غلب على جل نتاجه
مفجرا ملونته الشرقية وباحثا عن الطفل المتوجس القابع دوما خلف قناع رزانته .
هي فضيلة ان تكون انت عملك بما ان الوجدان امتلك مساماتك كلها . واكرر هنا ان
كل مصطلحات المدارس الحديثة انصهرت في بوتقة المعاصرة واخذت حيزها تناص عابر
الى المجهول , لذلك اجد ان نتاج ( نقاشيان ) يمتلك خاصية حداثته ( المستحدثة
) من خلال تنافذه واساليب حداثوية عديدة يجمعها الحس والفطرة الأنسانية .
محاولة للكشف عن غموض ما :
..............................................
..
تتكرر في رسوم ( نقاشيان ) ثنائيات
تشخيصية تحت مسمى ( الأصدقاء ) . شخصين او ثلاثة , احيانا ترتبط بوشائج حركية
داخلية ودوما فضاء حميم . رغم ثبات مظهر بعضها ( سكونية الحركة ) الا ان
ديناميكية ما تقلق او تهز هذا الثبات . بعض من دوامات مستترة تلف هذه الأجساد
المتجاورة والغير متجانسة الأبعاد , تضخيم هنا وظمور هناك , احيانا اطراف او
ملامح سائبة . لكنها تبقى اليفة وحميمية . فالطفولة المتطامنة لم تندرس بعد
رغم تقادم الأعوام . شئ ما يثير او يحرك كوامنها الساحرة , بحثا عن الفة ربما
فقدها مرارا . سر من اسرار النشأة الأولى . حنين مستتر لتاريخ مفقود , هو جنة
مستحيلة .
تاريخ ( ارمينيا ) النازف بقي وعلى ما
يبدو مستترا تحت جلدة ( نقاشيان ) كتاريخ عائلي . وتاريخ التشكيل العراقي (
ان صح له تاريخ او تقويم سوي 2 ) مر من خلاله فنانين من اصل ارميني هما (
ارداش كاكافيان ) و فناننا ( جون نقاشيان ) . الغريب بالأمر ان هناك وشائج
عديدة تربط ما بين نتاجهما . اهم هذه الوشائج هو التشخيص ( الذي يكاد ان يخلو
منه النتاج التشكيلي العراقي الحالي , واقصد به التشخيص التعبيري ) . اذا هي
حكاية كبرى يريد الفنانين ان يمرروها عبر ايامهم التي انقضت بالنسبة ل(
كاكافيان ) . رغم اختلاف اساليبهم الا ان الجذر يبقى هو نفسه . فمنذ نبوغ (
كاكافيان ) بعمر متقدم , فان تجربته مرت من خلال ( جوجان الوحوشي ) , مثالا
على ذلك لوحته التي رسمها في الخمسينات من القرن المنصرم ( بائع الفستق ) وهو
لا يزال يافعا . ضخامة اجساد لازمت نتاجه كله رغم ابتعاده بعض الشئ عن منجزه
الأل ولم تغير اقامته المبكرة في باريس شيئا من ذلك . ذكرى الجسد الشرقي
المسترخي عبر جغرافيته المتماهي وبعض من تفاصيل بيئته ( تمائم ) سحر تحافظ
على توازنه . نفس الجسد تشضى وتلملم عند ( نقاشيان ) . اعمال كلاهما تثير
حنينا طاغيا للمكان الشرقي وتفاصيل اسرار النشأة االعراقية الأولى . رغم
عالمية النتاج . حنين لحاضن بيئ طاغ . ربما تعويض عن الحاضن التاريخي المفقود
, تسلل الى ذواتهم بلا وعي .
ما يتبقى من كل ذلك اعمال تعلن برائتها وسط
ضجيج التقنية الرقمية وعوالم المعلومات السائلة .
...............................................................................................................
1- جيل دولوز و فيلكس غتاري : ماهي الفلسفة
2- بعد نهب وحرق محتويات مركز الفنون ( ذاكرة
التشكيل العراقي ) في أم الحواسم .
.......................................................................................................
|