|
|||||||
|
|
بينالي يوتوربوي (1) (خيارات السياسة وتحديات المعارضة) وتكنولوجيا التشكيل المعاصر علي النجار مالمو- 22-12-2007 (الصورة على درجة كبيرة من اللبس. لأنها في الوقت الذي تعظم فيه الحدث تتخذه رهينة. إنها تلعب دور الإلهاء والتحييد(....) وهذا ما نغفل عنه دائما في معرض حديثنا عن(خطر) وسائل الأعلام. جان بودريار (ذهنية الإرهاب)- لماذا يقاتلون لوحدهم. ................................................................................... ليس بالإمكان تمتعنا بإغفاءة هانئة وبدون ان نغمض عينا على براءة منشودة ونفتح العين الأخرى على سعتها وسط انتهاكات معولمة. فلسنا بناجين من سطوة صور تصفعنا على مدار الساعة. كما ليس بإمكاننا الاختباء كقندس خلف سدوده المائية(محميات استيطانية). هذا العالم الصوري, سواء الواقعي أو الافتراضي منه يتشكل كل لحضه ابتكارات ممتعة وحيل ساحرة ويخترقنا بفصاحته(الإعلانية- الإعلامية). وأحيانا بشكل كوارث كوكبية, في عالم لم تعد بحاره مطمئنة كسابق عهدها, ولا أراضيه مستقره, بفضل تكنولوجيا التلوث الفاضحة والحروب المفتعلة. وان تكن التكنولوجيا تشكل انتصاراتنا العلمية, فان ريعها المادي يعود لمقتنيها الكبار وعرابيهم السياسيين . الصورة, وكمصطلح ثقافي, فني, إعلامي, تنسل بتؤدة لتقتحم ذواتنا عبر مساربها العديدة, ثم تستحوذ علينا فتنة تنويعاتها. وان كانت الفتنة مبررة, فان اشتغالها على مدار الساعة طاغيا. فهي لم تأتي من اللاشئ, بل من خلال توظيف السيسسولوجي والسيكولوجي , إضافة لاستغلالها الشفرة الفنتازية المقتضبة وبتنويعات لا حدود لها, ومن اجل خدمة اقتصاديات السوق أو السياسة, أو كلاهما في آن واحد, للحد الذي مكنها من الإمساك بنا وعلى امتداد مساحة كوكبنا . إن كانت الصورة تتحكم بسعر البضاعة وانتشارها. فإنها بذلك تمثل قيمة فائقة منافسة لجوهر البضاعة, بل جاعلة إياها أحيانا بالمرتبة الثانية. ولفاعليتها الأدائية العملية هذه فقد استحوذت على أنتاجها وتصديرها أساليب وألاعيب السياسة في عصر( الديمقراطية اختيارا أو قسرا). وفي كلا الحالتين (الاختيار- القسر) مرت أمام أعيننا آلاف الصور المنتقاة بعناية والمغربلة عبر دهاليز دولية وعالمية. ولم تكن هذه الصور المختارة(المقننة) إلا فخا لقرارات مصيرية طبخت في دهاليز صناع القرار, وما أكثرهم. ولشبحية هذه الصور فإنها تضل تطوف فوق رؤوسنا, أو تخترقنا وتعبث في أذهاننا, ثم تتركنا أسرى شبحيتها الناتجة عن تصادمها او تجاورها, توافقها او تضادها. وان كان الفن التشكيلي وخلال هذا العقد الأول من القرن الواحد والعشرين اشتغل على (الصورةْ- ثقافة) أو (الصورة-اقتصاد) فان الأمر لم يفت مشتغلي السياسة للحد الذي وظفوا فيه الصورة كوثيقة مطواعة وملغومة بنواياهم. وهي كذلك خبر, أو كاريزما شخصية, تبييض وجوه او تبييض أموال, اواختراق حدود, وغير ذلك من ألاعيب السياسة المعاصرة واكذوباتها الكبرى. وبات من البديهي ان يسعى الفنان التشكيلي, بما انه جزء من المشهد الثقافي العالمي, إلى الاشتغال على تقنيات الصورة(الفوتوغرافية, الفديوية, الفيلمية والطباعية). وهذا ما شاهدناه من خلال اشتغال معظم الفنانين المشاركين في بينالي يوتوبوري لهذا العام على الصورة مشاهد لمشاريعهم فكرة وتصور موازي. وبما ينسجم او يتناسب وعنوان العرض (اختيارات السياسة وتحديات المعارضة (. إن كانت السياسة واقعا معاشا ضمن تبريراتها المعلنة كفن للمكن, فان بالإمكان أيضا محاورة هذه الصيغة(المفهوم) الغامضة غالبا في معالجات صورية او أرشيفية, تقنية تقليدية أو إخراج غير تقليدي, وبما تسمح له إمكانيات الفنان او المؤسسة الداعمة. وان كان عنوان اشتغال هذا العرض العالمي (اختيارات السياسة وتحديات المعارضة). فبالتأكيد سوف تشتغل هذه التقنيات بموازاة العنوان(الحدث) ليس كحلول ممكنة, بل ركاما أو جداول معلومات وجدانية أو أرشفة شخصية أو جمعية, في مسعى لمحاورة الحدث( وهو هنا انتهاك عمومي في معظم الحالات). وان كان ثمة جمالية تشدنا لهذه الأعمال. فإنها تكمن في إعجاز الفكرة. وان كانت الفكرة تبدو أحيانا لغزا, فعلينا استشفاف هذا اللغز المستتر بين ثنايا العمل. وسوف تبقى كشوفاتنا في حدود الدافع والخبرة الشخصية. وما دام العمل التشكيلي ملغوما بفكرته وهاجسها المسيس, فبالتأكيد سوف تتناسل صوره الذهنية وغير بعيد عن منطقة الحدث او عن هامشه .
اشترك في هذا العرض التشكيلي ثمان وعشرون فنانا من مختلف بقاع العالم. وكان عرضا موازيا ل(دوكومنتا- بازل) و(بينالي فينيسيا) لهذا العام. فمن مجموع العروض الخمسة والخمسين عرضا التي مثلت عرض يوتوبوري فضاءاته الخمس(خمسة قاعات, متاحف وقاعات عرض عامة وخاصة. ). اشتغل ثمان وعشرون منها على العروض الفديوية(الفيديو ارت), وخمسة عشر على الفونوغراف بمختلف تقنياته(ضمن تقنيات تركيبية أخرى أو كانت لوحدها). بينما اشتغلت بقية العروض على مشاريع تركيبية أو إنشائية نحتية او تجميعية او مختلطة. واختفت من العروض وبشكل مطلق الرسومات المسندية (اللوحات والرسومات الورقية و الصباغية) وليس في الأمر من غرابة, فعنوان العرض لا يترك مجالا للجمالية الحسية التي تشتغل عليها الرسوم الملونة بشكل عام. بل مكرس للبحث عن المواقف الثقافية الاجتماعية الإنسانية. وتعرض لصياغات معظمها احتجاجية وبنبرات متفاوتة. لقد استبدلت النبرة الاحتجاجية لهذا العرض الأساليب التشكيلية التقليدية( رغم ارثها الاحتجاجي في عصر حداثتها الأول) إلى تقنيات موازية لعنف الحدث ووثائقيته الصورية, بما أن السياسة وهي محور البحث هنا تشكل وثيقة العرض الأبرز مثلما هي في واقعنا الحالي. وان جاءت الأعمال على شكل وثائق(كانت بعض الأعمال مجرد وثيقة خطية), فهي في معظمها وثائق إنسانية تكشف المستور من نوازع تسييس الحدث واللعب بخرائط الكرة الأرضية. وان كان لكل فنان الحق في أن يثبت خريطته الخاصة سواء كانت ثقافية أو جغرافية أو وجدانية, فإنها مع ذلك تبقى خرائط وثائقية تعيد لنا الثقة بهذا الجيل الجديد من الفنانين وبدوافع تقنياتهم وفعاليتها .
استعراض لبعض من أعمال العرض المشاركة:
يشكل عمل الفنانة الأفغانية( ليدا عبدول(2) فخا, من خلال إبهار البصر
بمشهديته الطاغية واحتفاء مساحة العرض المخصصة له امتدادا في القاعة الوسطى
من قاعة فن المدينة. رغم كونه عملا فيديويا, إلا أن العرض كرسه بما يوازي
عرضا سينميا بسعة شاشة عرضه وفضائها. العرض يمثل(كابل) افتراضا. أو عالم
أفغانستان مابعد, أو أثناء الحرب. و(كابل افتراضا) حالها حال عواصم افتراضية
مشابهة. وان كانت أنقاض, وهي ركام حرب, عبئا على مالكيها أو قاطنيها, فهي غير
صالحة وحتى كأثر. وان تحول البلد إلى ركاما, فهل بالإمكان تشييع هذا الركام
إلى مقبرته وبدون أن يسحب ورائه ركام تاريخ مندرس فقد هيبته من عصور ليست
بالقليلة. لقد تبعثر الركام حيوات إنسانية خلل إطلاله وامتزجت بشظايا جدرانه
المتصدعة الزائلة وشكل محنة لا يمكن عبورها بدون إبداء ولو رثاء مناسب. وهذا
ما فعلته الفنانة( عبدول) في عملها هذا
.
خمسة عشر شابا في مهمة تبدو فنتازية او عبثية, لكنها أنجزت فعلا خارقا. فامام مبنى مهدم تنتصب بعض جدرانه الخارجية, يحاول هؤلاء الشباب المتجلببين سوادا ان يسحبوه بحبالهم. ومع ذلك لم يبدو فعلهم سحبا بل لا يتعدى كونه تنويعات إيقاعية إيمائية على فعل السحب الرمزي. تنويعات لا تخلو من جهد او لوعة وبإيقاع منضبط أو مبعثر. وان بدى البناء آجرا مهدما وعرضه للزوال. فانه ومن خلال هذا العمل يبدو كزورق يحاول بحارته سحبه عكس التيار, ثم ينتهي إيقاعهم المثير بإيداع المكان( وهو هنا متمثل بإحدى صخوره أو آجره المبعثرة) بعد تكفينها (حفرة- قبرا) ثم يهيلوا عليه التراب بوداعة ورقة. مرثية لزمن تهدم فيه كل شئ, لكنه سوف يبقى عصيا على الانمحاء . ان كان هذا العمل يودعنا بمرثيته المؤثرة فانه سحرنا بتنوع إيقاعاته البطيئة(سلوموشن) وتقاطع خطوطه(حباله) البيضاء وهيئات الأجساد بسوادها ورمادية ووحشة المشهد الخلفي. وان كان السحر يكمن في الإيقاع فان الوحشة تكمن في سكونية مشهد البناء وخلفيته العبثية. وان كان صراعا يحرك ذهنية هذا العمل فهو بالتأكيد صراع الأضداد(الحياة- التهدم) وما تخلفه قرارات السياسة المحلية والخارجية سواء منها المقنعة بمفاهيم أصولية أو مصلحيه براكماتية. وان كان من خاسر حقا فهو هذا الإنسان الأعزل حينما يجد نفسه مستلبا وسط صراع القوى التي لا تحسب له حسابا .
من روسيا عملين تثير الانتباه باختلافاتهما في الرؤية والتقنية زمنيا ومكانيا. فعمل مجموعة(3) النحتي والمعنون(نصف الحياة- محاربين) عبارة عن خمسة أطفال برونزيين عراة, أجساد لامعة تستعرض أسلحتها وخوذها الخيالية في مشهديه مقاربة لمشهديه الخيال العلمي الافتراضي. وان بدو بهيئاتهم المستعرضة اقرب الى فرقة موسيقية استعراضية منهم إلى المحاربين بحركاتهم أو بطريقة إمساكهم لأسلحتهم التي لا تختلف عن أية فرقة موسيقية شعبية. ومثلما أكد عريهم هاجس لعبهم أو لهوهم الطفولي, كذلك بدت هيئة خوذهم الغرائبية إكسسوارا مناسبا لفعل اللعب. وان كان من غرض لهذا العمل فيكمن في نيته التأكيد على سطوة الصورة الافتراضية بتدجين الآلة الحربية ومألوفيتها ثقافة شعبية معاصرة .
إن كان عمل هذه المجموعة يمثل مبتكرات المعاصرة الافتراضية المسيسة والمرصودة لخلق أجيال تتماهى وافتراضات الخيال العلمي الغير برئ إطلاقا. فان العمل الثاني يشتغل على المنشأة المكانية الأسترجاعية. لزمن كانت فيه هذه المنشات تمثل استعراض قوة وعظمة وتفوق. في زمن الحرب الباردة وصراع القطبين. وحيث تكون الأيديولوجيا هي المحركة. فان كان السكن مكانا أليفا للعيش. فانه كان وحسب ما يتصوره الفنان منجزا نصبيا للتفاخر والمكابرة. صمم الفنان منشأته المصغرة(ماكيت) بناية يخترقها السحاب من وسطها و ضيعت نصفها الأسفل عن مستوى النظر. ولم تكن بقية المنشآت الملحقة إلا صناديق تعليب لا أكثر وهي لا تبتعد في مغزاها الإنشائي والوظيفي عن مجمل السكن الأجتماعي وتشابه أو تطابق فضاءاته للحد الذي نخاله أحيانا فضاءا واحدا. هذا لا يعني انه لا يشكل حلا لمشكلة السكن في الدول ذات الاقتصاديات المقننة. لكنه يبقى يمثل في نفس الوقت كارثة ذوقية, تراثية, فنية. ونحن بأمس الحاجة لتلافيها من اجل غناء ونظارة أرواحنا .
الفنانة(جان الكساندر(4) في عملها (الحارس) حولت الحدود أسلاكا شائكة تحيط بالمساحة الخضراء التي يقف في إحدى زوايها حائرا(إنسان برأس طائر), ويبدو أن هذا الإنسان الطائر والمقصوص الأجنحة متوحدا ومتوحشا في وقفته الجبرية هذه رغم خضرة الأرض التي تحيطه والتي هي محمية بحدود سلكية شائكة وبمساحة جانبية محيطية مضافة لكنها هي الأخرى مغلقة بنفس الحدود الشائكة وتنتثر على أرضيتها مئات المناجل الصدئة. فان كانت هذه البقعة الداخلية على صغرها معدة للخصب فان على المناجل المحيطة تقع مهمة جدبها ولا من نجدة للإنسان من انغلاق مكانه وبوار أرضه . وان كان ثمة من معجزة تخلصه من أسره فان ثلاثة حراس أشداء متيقظين ينتصبوا أمام المشهد المنشأ عسكرا خاضعا للطاعة العمياء. لقد نجحت الفنانة في تصوراتها المشهدية المبهرة لتكثيف مفهوميه الحدود المرسومة لنا في عالم يقنن حتى حركاتنا او مسارب تنفسنا. وان كانت السياسة الآن تمثل العسكر أمام البيئة فان المصالح العليا تبقى عليا بفضل سطوة المال وهيمنة صناعه أو صناع القرار .
عند مدخل قاعة فن المدينة(كونست هول(5) ينتصب تمثال لمجموعة(الديمقراطية(6) يمثل شخصا جالسا بكامل هيئته المدنية وبملامح مطمئنة هانئة, ومن حركة يده اليسرى التي تزيح الجاكتة نكتشف انه يرتدي حزاما ناسفا ويقبض على زره في يده اليمنى. وان تكن الوداعة مدخل لشخصيته. فان السياسة أو المسيسات العديدة هي التي اخترقت هيئته أو قشرتها وأفسدت إنسانيتها. وان كنا ننوي محاورة الحدث السياسي فعلينا أن لا نتجنب الخوض في خروقاته الكارثية. وان يكن عمل مثل هذا معد للعرض فان زمننا الحالي هو الذي هئ له قاعدة العرض هذه. وان كان يشكل مدخلا للعرض فان العرض سوف يبقى ملغوما بنواياه الأستفزازية التي علينا اكتشاف فحواها عبر الخطاب السياسي الأعلامي الغير بريء . عمل الفنانة (ماريا هيمر(7) الفيديوي (تقدم) يقترب بعض الشئ في ايقاعيته من عمل الفنانة الأفغانية (عبدول) رغم انه يشتغل على شاشتين متلاسقتين تعيدان إيقاعات متزامنة أو مختلفة لتدريبات عسكرية لمجموعة من الشباب من كلا الجنسين والمجندين لهذا العمل. إيقاعات تحدد نمطيتها الفنانة بحدود تصوراتها من اجل محاورة عملية التدريب العسكرية المملة أو كسر رتابتها أو ضبط إيقاعاتها المتجانسة لكلا الفريقين(الطرفين) في مسعى للبحث عن جدوى أو عدم جدوى هذه الحركات الإلزامية التي تتناوب ما بين الصرامة واللعب الإيقاعي وبعثرته أحيانا أخرى. وان يبقى في الأخير من شيء فهو فقط حافز الالتزام بالأيعاز والتهيؤ لتنفيذ الأوامر. وهي أوامر غير مرئية ولا مسموعة وتندثر خلف نغمات الموسيقى العسكرية(المارشات). ومع ذلك فإنها تبقى هاجسا يتحكم بهذه الأجساد خارج إرادتهم. وان كانت المتعة تبدو واضحة على سطح هذه الأجسام, فهي متعة ملغومة بوقع المارش الذي سيكون في يوم ما جنائزيا . الصور الفوتوغرافية للفنان (هندريك زيتلر(8) بألوانها المبهرة وبطغيان الأحمر في فضاءات عديدة من صوره المعروضة, تؤرشف للسكن الديمقراطي الذي وظفه لرصد الزوايا الأكثر سرية من بين زواياه أو فضاءاته الشبابية. ممرات و مداخل وحتى أمكنة نوم أو معيشة. فضاءات مزدحمة بكل شئ, ولا تمثل شيئا وسط تراكم الأحذية والملابس والأرائك والكتب و الأدوات الموسيقية وكل عبث أو لا عبث حياتي مستهلك أو في طريقه للاستهلاك. أماكن أكسبتها بعثرتها المعاشة حرية ما. فالحرية لا تكتمل(وهي صوت أو بوح شبابي هنا) إلا بالتدوين الكرافيتي الذي يلطخ العديد من الجدران والزوايا العلنية والسرية. وان أصبح الجسد مفتونا بحريته. فغالبا ما يقتحمه الذهن مجالا لحرية منضبطة أو عابثة. وبما يمنحه حاضنه البيئي من مجال متسع لحد انفلاته, او مضيق لحد قمعه. وان كنا نقيم توازناتنا على نظريات اجتماعية تجريبية, كما هو الحال في العديد من الدول الأوربية. فان مجال التجريبية واسع بقدر ما يكون من طرف اخر ضيقا. مع ذلك يبقى الوميض الأحمر لهذه الصور البيئية الوثائقية يمتلك حيويته. حيوية تتعدى مجال السكن العابث هذا, إلى عبث أو لعب أكثر تخلقا . ( تاريخ الأصدقاء) عنوان العمل التركيبي للفنان( أولا أوستراند(9), لا يخلو من لغة سرية شفافة. مجموعة القمصان البيضاء المعلقة التي تحتل معظم مكان العرض(وهو ليس صغيرا) تتمايل ولفحات هواء المراوح الهوائية الأرضية, وتشكل خفقاناتها معادل حيوي لحيوات أناسها المفترضين. وتحتل مؤخرة العرض رسمه استنساخية(سكرين) لشخصين يتهامسان بقمصانهم. أي أن القمصان احتلت كتلة رؤوسهم اكيايسا تغطيها. وثمة شخص آخر على الطرف الثاني وبنفس مواصفاتهم يحاول الإصغاء إلى حوارهم. ويشكل مصباح الغرفة مع شباكها الخلفي بفضاءاته المفتوحة عل منشات كهربائية تحوطها بروق تكسر عتمتها. ومع رسمه أخرى على جانب فضاء العمل لا تختلف مقاصدها. كما بعثر خلل رسوماته خروقات تمثل حروقا(لا يتعدى شكلها شكل مخلفات الحروق الورقية (. (تاريخ الأصدقاء) هذا كما نتصوره يشبه إلى حد بعيد التواريخ السياسية بتدويناتها السرية(الغير رسمية) والتي شكلت تواريخ مرادفة أو متلاصقة لتواريخنا العلنية. وغالبا ما تكون أكثر واقعية وعدلا من التواريخ المعلنة او المدونة. وهي تواريخ لا تزال تحتفظ بنبرة الهمس. لقد تشكلت جزئيات هذا العمل على شكل متجاورات علائقية محكومة بإشارات سرية تبيح للمؤثرات الخارجية (المحيطية) اختراق مشهديتها, بالوقت الذي حافظ فيه الأشخاص على كتمان أو بوح أسرارهم رغم إخفاء ملامح البوح(وجوههم) خلف أغطية ليست مخصصة لها. فان ثمة قدرية ملغومة تحوم او تحرك جزئيات هذا العمل, وهي قدرية تبدو كأنها مستلة من ضمن مساحة أقدارنا المعاصرة وفضاءاتها التي أصبحت تضيق أكثر فأكثر . العمل الفديوي الأخير الذي اود ان انوه عنه, هو عمل الفنان العراقي(عادل عابدين) الذي يقطن فنلندا( والجنسيات في زمننا باتت مزدوجة). عمله الفديوي مستل من صميم الحدث العراقي في الذروة من انتهاكاته. وان كان بنائه اشاريا موجزا. فقد استند على هذه البنية الأشارية مدخلا لتحليل او تفكيك جذر الفعل التدميري ( التخريبي,الأنتحاري, الذاتي والجمعي) فان كنا نلقن الطفل لغة غير لغته وبمفردات مثل (ارهاب,قتل,سرقة..), فان هذ الفعل الأختراقي يكمن في مظمون التلقين وفعله الأجرائي العابث بحياة البشر . كما لم تغب عن العرض قضايا انسانية شائكة متعددة, مثل قضية فلسطين او لبنان. او قضايا انتهاكات شخصية, او بيئية. او شبابية احتجاجية والتي انفرد فضاء عرض بناية الصخرة الحمراء(10) بتوفير مساحة من سطوح جدرانه الخارجية لرسوم الكرافيت(الظاهرة الأكبر احراجا لبلديات المدن الأوربية), وكذلك بعض من جدرانه الداخلية الموازية لعروضاته الأخرى . ماذا بقي من تأثيرات العرض بعد انتهاءه: لا اعتقد بان هذا العرض لم يترك شيئا ولو في حدود التفاعل والأنفعال. فللصور وقعها المباشر الذي يتعدى شفرة الكلام أو الكتابة. وهي بتفاصيلها المشهدية وتلاوينها المبهرة(المبصرة), وحتى ولو كانت أحلاما. والحلم صورة ومضيه, فإنها لا تفارق ذهننا ولا مخيلتنا بسهولة. فكيف بهذه الصور الحلمية التي تتشكل أحلاما في ذهنية الفنان قبل ان تكون واقعا فيزيائيا والمهيئة لإنعاش الذاكرة المتعودة على النسيان. وان كانت الصورة, وهي مركبة في هذه الأعمال, مكتظة, وللحد الذي باتت فيه مفاعيلها الأدائية المتلبسة أفكارا مستقاة من محيط جغرافي عالمي تعدى مألوفة ثقافته المناطقية الغربية الواحدة إلى الشرق غرب والشمال جنوب. وهذا ما أكده العرض باشتغالاته الثقافية الاجتماعية وبتجاوزه إجراءات الانغلاق على رقعة جغرافية بعينها. فالفن التشكيلي اليوم وبوسائله التقنية (الصورية بالذات) انفتحت آفاقه الواسعة والمتكافئة على كل قارات وزوايا العالم . .......................................................................................... 1- Göteborg Internnational Biennial , For Contemporary ART 2007. 2- Lida Abdul. 3-AES+Fction Half Life warriors. 4-Jane Alexander. 5- Göteborg Konsthal. 6- Democradia. 7- Maria Heimer Åkerlund. 8- Hendrik Zeitler. 9- Ola Åstand. 10- Röda Sten. ………………………………………………………………
|
|
|||||