التشكيلي العراقي حسن حداد..وحرقة الاغتراب
حسام فتحي ابو جبارة
ديسمبر
2009
بين تحديات الحياة ومرارة الغربة وآلام الوطن، يسعى
الفنان التشكيلي العراقي حسن حداد إلى تصوير الواقع الذي عاشه ورآه منذ أن
كان في العراق، مروراً بالمحطات التي سبقت استقراره في ألمانيا، وانتهاء
برؤيته لواقع الاغتراب الذي ما زال يعيشه منذ نحو 11 عاماً. ورغم القسوة
البادية في معظم لوحاته التي تعتبر انعكاسا للانتهاكات المتواصلة للإنسانية؛
بسبب الظلم والقمع والخوف والحرب، فهي تحمل في الوقت نفسه شيئاً من الأمل،
وترفض الاستسلام لليأس، وتسعى لتخيل عالم جديد يقوم على أساس احترام ما تبقى
من إنسانية الإنسان!
 
في مدينة بلد، شمال العاصمة العراقية بغداد، ولد حسن حداد عام 1962، متخذاً
من كروم عنب هذه المدينة العتيقة ومناطقها الأثرية الموغلة في القدم، موطناً
لممارسة هوايته الجميلة في الرسم، والتي برزت معه منذ الصغر، ونمت بعد تخرجه
في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1986، لتعرف من يومها أرض الرافدين
فناناً يعشق أخيه الإنسان، ويدافع عن كرامته، ويفني ريشته وألوانه في سبيل
تجاوز الواقع المرير الذي عرفه العراق في تلك الفترة بسبب الحروب المتعاقبة
وما تخللها من حصار وألم ومعاناة.
من لوحاته الأولى، برز انتماء حداد إلى الفترة الزمنية التي تمتد بين
الانطباعية والتكعيبية، أي فترة ما قبل الحداثة، حيث كل شيء يبدأ في الشارع
الذي هو خير مكان لمعرفة الناس وطبيعة المجتمع. صحيح أن الناس في المدن
الصغيرة، مثل مسقط رأسه بلد، يعرفون بعضهم أو على الأقل يتشاطرون ذات الظروف
الحياتية، لكنهم في المهجر، بالكاد يشعرون بالانتماء إلى المكان، فهم غرباء
حتى ولو قضوا جل عمرهم على ذاك التراب الجديد. وهو في كل أعماله شديد
الاهتمام بالظل والضوء وانعكاساتهما، وكذلك بمدى رقة أو عذوبة اللون في العمل
الفني، لهذا نجد في لوحاته البديعة وجوهاً بلا ملامح وأحياناً من خلف زجاج
سميك أو مرايا صدئة. شخوص بلا هويات أو أشباح عابرة، ولكن في المقابل هناك
ظلال تلمع على الأرضيات النظيفة! ويصل اختزال هذه الوجوه إلى درجة المحو
الكامل أحياناً ما يحوّل الشخوص إلى كيانات جوفاء في أماكن غامضة! أليست هذه
حالة كل من يعاني الظلم في بلده والغربة في مهجره؟!
يصف حداد حياة الناس اليومية إلى درجة التوثيق أحياناً، لكنه على الرغم من
ذلك ينجح في إقناع المتفرّج على أعماله بقوة رصده من خلال إعداد نظري رائع
ودراسة وافيه لموضوعه. فشخصياته تجد نفسها في جو معزول أو في حيز اسمنتي بارد
وفاقد للروح مثل أنفاق القطارات والممرات الموحشة. إضافة إلى هذا الجو
الانعزالي هناك صعوبة الالتقاء والمشاركة بين هؤلاء الشخوص وغالباً ما تكون
وضعياتهم معكوسة كأن يديروا ظهورهم للمشاهد! وهو لا يكتفي بالتوثيق فقط،
فهناك أماكن في لوحاته يمكن زحزحتها أو إلغاؤها من المشهد بصفتها شيئاً غير
مكتمل أو غير ذي قيمة، دلالة على قلق المكان وعلاقته غير الثابتة. فالحدود
الخارجية للجسد البشري تذوب على شكل اشعاعات وكأنها ليست جزءاً من هذه
الشخصيات التي تبدو مسمرة في هذه الفضاءات المغلقة بانتظار الانعتاق نحو
العالم الخارجي والخلاص. هذه هي الحياة في المجتمع الأوروبي الصناعي، كما
يراها حداد، شبح يمضي وآخر يأتي من النفق وإليه يعود، بلا تبادل للكلام، وكأن
كل مواطن يعيش في جزيرة منعزلة، أو في أرض تخلو من سواه!
لم يغادر حسن حداد العراق عام 1998، حباً في الغرب، ولا كرهاً لبلده، ولكنه
حاول من خلال ذلك استعادة توازنه عبر بوح ذاته الجريحة بمفردات تشكيلية وجدت
نفسها محاطة بجدار بنته السلطة الحاكمة في موطنه، وهو يرى أن "سقوط بغداد لم
يأتِ بسبب القوات الغازية لها، بقدر ما جاء من أولئك الذين أعدوا العدة لسرقة
محتواها وفرغوها من أقدس أشيائها".. هكذا يقول ابن العراق الجريح وعيناه
تفضيان بدموع الحرقة على بلد يأبى الموت أن يفارقه يوماً، رغم أنه كان قبلة
الدنيا وأنظارها، لذلك يرى في ضربات ريشته وقطرات ألوانها جسراً نحو إعادة
مجد بلد فاضت أرضه على الدنيا بالخيرات.
............................................................................................. |