|
مارس
الفنان منذ القدم فن الحفر، بمواد مختلفة، تارة اكتشف الصلصال ومرونته حيث
صنع الصحون والجرار وأدوات المنزل المختلفة، اضافة للأختام والواح الكتابة،
وتارة عبر الحفر على الصخور والجدران، تاركا لنا أثرا خلد حضارات عاشت
وانطمرت، لكن قيمة الفن بقيت خالدة منذ تلك الازمان الغابرة.
تطور فن الحفر فيما بعد
لحاجة الانسان في التعامل والشراء، مما اوجدت الحاجة لسك النقود، فكانت
البداية الاولى في التعامل مع النسخ والتكرار وصولا لأكتشاف الطباعة، مما
قادت لترسيخ فن جديد، سمي فيما بعد بـ"فن الغرافيك" حيث تعددت اشكاله من
الحفر على الحجر وعلى المعدن والتعامل مع الاكاسيد والاحماض والحفر على الواح
الخشب، وطرائق اخرى عديدة.

من هنا تعزز دور الفنان
الغرافيكي، باعتباره فنانا حرفيا ماهرا بالرسم والنحت والتصوير، خالقا لوحته
الخالصة بألوانها المميزة وسطحها المختلف نتيجة استعماله المكبس، أو البريس
الضاغط. كما جعلها تنتشر أكثر هو كمية النسخ العديدة للعمل الواحد دون
الاخلال بتفاصيله.
وفي العراق اشتهر فنانون
عديدون باتقانهم لهذا الفن وكانت لهم اسهامة على صعيد الدول العربية والشرق
الاوسط في انتشاره والابداع المشهود به، حيث برز الفنانين فايق حسين ورافع
الناصري ومحمد مهر الدين ويحيى الشيخ وهيمت محمد علي واحمد مظهر ونديم محسن
وكاظم شمهود.. وأخرين.

نسوق هذه
المقدمة للحديث عن معرض الفنان كاظم شمهود الذي اقامه موخرا (للفترة من 15
حتى 26 من شهر آذار 2006) على قاعة كاليري "الكوفة" في لندن تتويجا لمعارضه
العديدة التي اقامها منذ تخرجه من اكاديمية الفنون الجميلة- بغداد عام 1975
في العراق وعواصم عربية واوروبية مختلفة، كما عزز دراسته الاكاديمية بفن
الحفر والجداريات في جامعة مدريد أوائل ثمانينات القرن المنصرم، وحتى دراسته
للدكتوراه في تاريخ الفن الاسلامي في جامعة مدريد المستقلة.
تتعدد
اهتمامات الفنان في الرسم والنحت والكاركاتير والرسوم المتحركة، لكنه في
معرضه هذا يقدم لنا مجموعة كبيرة ومتباينة من الاعمال الغرافيكية التي اشتغل
عليها خلال السنوات الخمس الماضية، بتعدد طرق عملها من الحفر على الخشب
بعملين كبيرين نسبيا على فن الغرافيك 250 في 120 سم بعنوان مشترك (مشاهد من
بلادي) يكون فيهما محور العمل الجسد الانساني الممزق والمضغوط داخل صندوق أو
غرفة تطبق جدرانها عليه، بخطوطه العنيفة والقاسية التي تذكرنا بأعمال الفنان
الايرلندي فرانسيس بيكون وأزمة الوجود المرتسمة على وجوه واجساد اشخاصه.
تتقاطع خطوطه
هنا في رسم ملامح الجسد كاملا بحدة الاسود مسلطا عليه مستطيلا احمرا زيادة في
عنف المشهد وحدته جاعلا مرتكز التفكير في محنة هذا الجسد وما اصابه من خراب
متعاقب.
لا يخفى ان
الفنان يسجل هنا موقفا رافضا ومحتجا لكل العنف الذي تعرض له العراقي طوال
العقود السابقة، وكأنه يذكرنا ان هذا المشهد يجب أن يكون حيا كي لا يتكرر
ثانية، حيث يحيلنا في أعماله المحفورة على المعدن والزنك الاخرى الموسومة
(صور في الذاكرة) و (أشكال على الجدران) إلى واقع الخراب المرتسم الآن، حيث
تبرز التشخيصية بقوة تكوين الكراسي على شكل صعود هرمي ومن ثم تسابق الإنسان
لهذا الصعود، وهنا يستعير الكولاج كفعل مضاف للطباعة بأدخاله سلك المعدن
لتحديد أشكال شخوصه بألتفاتة ذكية لزيادة الشعور بغرابة هذا التشكيل والتداخل
والتناظر مع خطوطه المرنة التي تحدد الشكل إضافة لبروز تكوين نحتي مضاف، وهو
عنصر جديد طارئ على فن الطباعة الذي يحتمل كولاج القص واللصق واضافة ألوان
غير طباعية اخرى.

الانتقالة
الاخرى في أعماله هي تلك الاعمال التعبيرية التي يزاوج فيها بين الطباعة
والرسم والموسومة بـ (أفكار وتأملات) و (على قارعة الطريق)، والتي يؤالف فيها
التناظر اللوني والتجريد فعل تكويناته، لكنها تبقى مستمدة هي الاخرى من
المشاهد الحياتية التي تطبع خطوطها على الجدران والطرق وصور الحياة المتناثرة
هنا وهناك، وفي بعضها يدخل عناصره التشخيصية التي ترافق معظم اعماله التي
اشرنا لها كفعل مرادف للكتل الهلامية التي تغلف السطح، مما يضفي عليها مسحة
التأمل والشفافية.
في مجمل أعمال
الفنان كاظم شمهود التي احتواها معرضه المتواصل الآن في لندن، تجد الهم
الانساني واضحا بكل تجلياته، وهذا ما عرف به الفنان عبر رسومه الكاريكاتيرية
التي أنجز منها خمسة كتب مطبوعة في اسبانيا تؤرخ للجرح العراقي منذ ثمانينات
القرن الماضي وحتى الآن.
تخرج من
اكاديمية الفنون الجميلة- بغداد عام 1975
1977-1970
تخصص في رسوم الاطفال وعمل في مجلة "مجلتي" للأطفال، كما اشتغل في تلفزيون
بغداد مع الفنان مؤيد نعمة لأنتاج افلام كارتون.
1980 درس
الحفر لمدة ثلاث سنوات في كلية الفنون الجميلة- جامعة مدريد، بالاضافة إلى
دراسة فن الجداريات والحفر البارز.
1991 دكتوراه
في تاريخ الفن الاسلامي- جامعة مدريد المستقلة.
1988 أشتغل في مجلات (A.B.C)
و (YA)
الاسبانيتين كرسام لقصص الاطفال والرسوم الفكاهية، كما ساهم في صناعة افلام
كارتون في بعض المؤسسات الاسبانية.
أقام أكثر من
عشرين معرضا شخصيا، وأكثر من 70 معرضا مشتركا عالميا ووطنيا.
حاز على
الكثير من الجوائز الفنية لمسابقات وطنية وعالمية.
اعماله منتشرة
في كثير من المتاحف والمعاهد والمؤسسات الاسبانية وغيرها.
أصدر خمسة كتب
(رسوم كاريكاتيرية) تحت عنوان "بدون تعليق".
ساهم في تأسيس جماعة "صوت
الحفر" في اسبانيا، كما ساهم في تأسيس "جماعة بغداد للفن المعاصر" في
اسبانيا.
|