|
التطابق
والاختلاف
في انتاج العمل الفني
ليس من السهولة تفسير ظواهر
متشابهة معينة في مسيرة فنان ما او مجموعة فنانين ينتمون لوحدة سكانية
وجغرافية . خاصة وان هؤلاء الفنانين حققوا شهرتهم الانجازية في ظل فترة
تأسيسية لأنماط واساليب تشكيلية جديدة عن وسطهم المحلي الحاضن . الحداثة
التشكيلية تسللت الى العراق بمصادرها الاوربية باشكال شتى معروفة ثم طبعت
بتنوعها واقع المنجز التشكيلي رغم كل البيانات والاجتهادات الشخصية التي
تحاول العبور فوق واقع التأثير الايجابي للحداثة الغربية هذه . ولو تفحصنا
جيدا نتاج معظم تشكيليينا المعروفين , لاكتشفنا مدى سعة التأثيرات المباشرة
او الغير مباشرة بنتاج فنان اوربي او عالمي ما . وما يخفف من مفاجئتنا هذه ,
رغم انها لا تفاجيئ الفنانين انفسهم ان المنتج التشكيلي العالمي في زمننا هذا
لم يكن بعيدا عن خليط تأثيرات اساليب معاصرة مباحة في حدود الاستيعاب
والمحاورة او المناورة . ومن حق المبدع ان يصوغ عمله وفق فهمه الخاص لمصادره
الذاتية والمحيطية غير بعيدا عن ذائقة عصره ان لم يكن سابقها . واعتقد ان هذا
ما حوله بعض فنانينا.
اعمال تشكيلية عراقية عديدة تبدو مغرقة
بأقتباسات من ( تابيس ) او ( فانتانا ) او كلاهما في ان واحد ولا تبعتد عن
المورث التجريدي بشطريه الهندسي و الحدسي . وباضافة هوامش من جداول وفقية او
حروفية عربية , يشعر منجز العمل انه امتلك طرقا اسلوبية وتعبيرية متفردة
ومنحازة لرقعته الجغرافية . وهذا ما يدعيه مجايليه ايضا . امام هذه الخلطة
الاسلوبية وتنظيراتها علينا التوقف قليلا لقراءة مكوناتها الاسلوبية
والمعرفية.
ذكرت بالتحديد الفنانين ( تابيس
وفانتانا )على سبيل المثال لأهميتهم في منجز العديد من الفنانين العرب منذ
ستينات القرن العشرين وحتى نهايته ,وخاصة بعض التشكيليين العراقين المغامرين
( المغامرة بمعنى الاكتشاف والاكتساب والفعل ) . بعضهم سحرته تقنية تابيس
التي سخرت سطح العمل مجالا للتجريب والتغريب ببنائية محسوبة . البعض الاخردون
فوق السطوح التابيسية بعض الاشارات التي توافق طابعه الحسي الخاص . لكن يبقى
ما يفعله ( تابيس ) مثير حقا بعدم الابتعاد عن ارثه الفكري الاسباني
او هاجسه الذاتي العدمي في احيان كثيرة . ابوابه العتيقة او المعتقة نافذة
لزمن مستهلك . اجساده مسلخة العدم الذي لا يرحم . اشاراته ( صلبانه ) علامات
مقابر او اشارات مرض . لم يكن الكف او القدم عنده متسامحة , بل اشارات لزمن
عابر ثقيل . اعمال تنشد هكذا طرح هي بحاجة لحس لوني يكمل بث اشاراتها , هذا
ما يجيده الفنان ايضا الحذر دوما من الانسحار بمناطق الاداء اللوني المثيرة (
الانطباعية , مثلا ). في سطوحه المعتمة او المضيئة يقوده تقشفه الى ثراء
تعبيري مذهل تتنافذ فيه المادة الخام المتنوعة وملونتها , مكونة وحدة متكاملة
الاداء . هو هنا صانع كبير التسقت صنعته به بدون انفكاك وبات من يقترب
منها يقع في فخاخها دون التمكن من موازاتها.
امتلك الفنان ( شاكر حسن ال
سعيد ) مقدرة فائقة لادراك اهمية تجارب فنية عالمية معاصرة كهذه على المستوى
التنظيري واحيانا التشكيلي من اجل ان يتجاوز نمطية اساليب باتت مستهلكة . لقد
وجدت هذه الاعمال وما صاحبها من دراسات نقدية صدى في نفسه لقربها من تكوينه
الفكري ولأمكانية توظيفها في مشروعه التأسيسي لمنطقة اداء ارادها ان تكون
متفردة في الوطن العربي . لقد كانت ورشة عمل الفنان نشطة بهذا الاتجاه منذ
منتصف الستينات حتى وفاته في العام الماضي . لم يكن منتجه النظري الذي التصق
به بوضوح منتجه التشكيلي . ذلك يعود لاختلاف مرجعية المنتجين . وهذا ما نود
ايضاحه.
لم يكن ( تابيس ) او ( فانتانا
) بعيدين عن منجز ( ال سعيد ) لقد كان على مدار حياته يكن لأعمال الأخير
بالذات تقديرا كبيرا . كان ( فانتانا) ينقب في ثقب الفضاء الكوني . وكان ( ال
سعيد) يبحث عن فضاءه الكوني ايضا بوسائله الخاصة التي لم تكن بعيدة عن وسائل
(فانتانا) الا في في اختلاف الموروث. الاثنين استخدموا تجريح السطح والثقوب
وصولا الى ذلك . ونقيضا لتقشف ( فانتانا) كانت اعمال ( ال سعيد ) مثقلة
بتفاصيلها . ولم يكن ( تابيس ) هو الاخر بعيدا عنه بمكتشفات تقنية بنائية
سطوح اعماله . من هنا نجد وفرة تفاصيل مجتزأة من الواقع ( بيئة محيطية,
كاشارات) في اعمال ( ال سعيد ) مثلما نجد خرقا او هوة عدمية او معراجا مفترضا
. لقد امتزج الواقع المحيطي بالميتافيزيقي في اعمال ( ال سعيد ) لتعدد مصادره
المعرفية او اكتضاضاها احيانا . كما لم تكن الحروف العربية او الاوفاق
المضافة الى سطح العمل ( كبعد ميتافيزيقي تصوفي ) وكما ارادها , بعدا معرفيا,
لتؤدي غرضها , الا في حدود بناء العمل التشكيلي . رغم كل التنظيرات والمشاريع
الحروفية التأسيسية . . وتبقى اشكالية التصوف و التشكيل مثيرة , لاختلاف
التجربتين بشكل كبير . لنتفحص هذا النص الذي يفسر ( طس) الحلاج . بما ان
التصوف كممارسة واداء حاضركادعاء في اعمال الفنان ( ال سعيد..(
(( يحتوي كتاب الطواسين (للحلاج) على
رسوم غريبة منها تجريدية جدا , ومنها كالطلاسم وعددها احد عشر وزعها في ستة
طواسين .
القراءة الاولية تستنتج ان ( طس)
= مفتاح السراج ( محمد 1-) ومفتاح الفهم = حقيقة الحقيقة , ومفتاح صفاء =
التصوف واجتياز المقامات ال (43 ) , ومفتاح الأزل والالتباس = التقديس ,
ومفتاح المشيئة = دوائر الأمر والتكليف , وهي اربعة دوائر ( المشيئة , الحكمة
,القدرة , الأزلية ) , ومفتاح التوحيد = التجريد , ومفتاح الأسرار في التوحيد
= ( طس مشكل لأنه تجريد تجريد التوحيد ) و مفتاح التنزيه = (طس بلا كتابة )
رسوم = اشارات مختزلة , اما بستان المعرفة فهي طس بلا طس (37 ) = الحيرة في
معرفة الله وفهمه .. الخ . وكل ما في الطواسين يعتبر ضمن السراج الذي هو نور
من الغيب او نور الغيب((
كما يستدرج ( شريف هزاع ) بان .. ( لغة
المتصوفة خاصة بهم , او تعبيرات فنية استقلوا بها في الافصاح عن ارائهم
واغراضهم , وبعضها يعد من الاسرار المكتومة , والبوح بها يعتبر خرقا لقواعد
وقوانين التصوف يستلزم الأبتعاد وحجب الثقة (.
اعتقد ان لغة ذاتية وملغزة كهذه
واوفاقها كذلك , تكتم اكثر مما تبوح لذاتيتها العالية او ما تنشده من حلولية
في نهاية شوطها , هي الاعجاز بعينه , هذه اللغة تقودنا الى متاهة لو حاولنا
استقصاءها تشكيليا بما يوازي نبض العصر ومنتجه التشكيلي العالمي ( الشرقي
والغربي, ان صحت التسمية ) . ولنراجع مع ( مصطفى واعراب (2)) تفسيره لل (
الوفق ..(
(( الوفق عند العامة سحر ..
وفي لغة اهل الحرف , هو الجدول او المربع , ويسمى ايضا الخاتم , يتكون من عدد
من الخانات افقيا ومثلها عموديا وتتوافق اعدادها واحرفها وتستوي في الاقطار
والزوايا وعدم التكرار ينتج مفعولا سحريا , وتختلف اسماء الاوفاق بحسب عدد
اضلاعها . مثلثا , مربعا وهكذا الى المعشر الذي هو الجدول المشكل من عشر
خانات عمودية وعشر افقية . )) ويلخص ( البوني ) ..( اعلم ان الوفق اذا كتب في
وقت مناسب له قويت روحانيته ( ملوك الجن الموكلة لخدمة الوفق ) وتضاعف قوته
.
نحن الان امام
اشكاليتين في مصادر اعمال ( ال سعيد ) , الاولى .. المصدر الاوربي الحديث او
ما بعده الذي استقى منه فناننا مرجعيته الاسلوبية , بشقيه ( تابيس ) و (
فانتانا ) . الشق الاول , البحث في المادة الخام وصلابة الموجودات او فنائها
احيانا , وهو بحث مادي وعدمي في ان معا ( كما عند تابيس ) .. الشق الثاني
مثالي في حد ذاته لانعطافه على
مدارات فضائية فيزيقية ( فانتانا ) . من هنا
تأتي هذه الهشاشة والصلابة في سطوح اعماله , واضافاته لنصوص ذهنية صوفية ,
واعتمادها عنصرا مهما من عناصر عمله التشكيلي . لقد اختار حروفا واوفاقا
واضافها لسطح العمل مع اضافاته المتعددة الاخرى , في محاولة منه لدمج الموروث
التشكيلي الحديث او ما بعد الحديث بموروثه الصوفي الاثري ( الحروفي ). في
الوقت الذي حافظ فيه على خطابه النظري المكتض بملامح الخطاب الصوفي , الا ان
اعماله التشكيلية المنجزة باتت مقلقة لتحميلها منطقتين معرفيتين
متناقضتين ( مادية ومثالية ) حد الغاء بعضمها للاخرى . مما دفعه في مرات
عديدة لتجاوز منطقه الصوفي ومحاورة منطقة البيئة والمحيط في تجاربه المتأخرة
. هذه المنطقة بالذات وجدت صدى لدى العديد من مريديه . ربما كان الفنان ( ال
سعيد ) على دراية بهذا كي يكون خطابه اقرب الى زمنه من اثر مكتوم .
لقد اسس الفنان ( ال سعيد ) ورشته
الفنية المعرفية بدأب وسط شحة في التجارب التشكيلية العربية الحديثة , بسبب
من قصر عمرها . كان قارئا نهما لتجارب عالمية هي في حصيلتها ملك مشاع . وكان
له الفضل في اثارة اسئلة الابداع ومحاورة مناطق ليس من السهولة ادراكها .
تحديه هذا يدعوا الاخرين لتخطي حواجز الادراك السهلة والتعمق في استقصاء
المستحيل.
لم
يكن الفنان ( ال سعيد ) قريبا من الواقع العياني ( طبيعة وانسنة ) بقدر ما
كان متمسكا بالمجردات . لقد اعمل مجهره في تقصي اثار الزمن على تصدعات
واشارات الحيطان في موازات تهدم مواد عمله وصبغتها التي اخضعها لنفس الظروف
الطقسية الزمنية . هذه التجربة خاصته هي الاقرب كما ارى الى مثاليته الصوفية
المتبناة , لما تحمل من سلوكية تتجاوز الفعل الاني . واعتقد ان ما عجز عن
كتمان بوحه ( كما هو الخطاب الصوفي ) في تفاصيل اعماله السابقة , نجح الزمن
في ادراكه . هذا الادراك او الا ادراك في منجز الفنان ( ال سعيد ) حاول
فنانون عراقيون اخرين مجارات بعض تفاصيله . كان الاغراء بالنسبة لهم موجودا
في طريقة الاداء ( نسيج تقنية سطح العمل ) اولا والبحث الاشاراتي .. عند
الفنان ( كريم رسن ) مجمل الاشارات كاليغرافية ميثولوجية . وعند ( هناء
مالله ) اثر المحيط والأثر المتحفي .وعند اخرين هندسة السطح و الحرف والعلامة
. وفي الحصيلة النهائية كم من الاعمال التي تفعل السطح بهندسة طوبوغرافية
كثيرا ما تتبادل المواقع , في وهم التأصيل المحلي . رغم كل مرجعيات التشكيل
المعاصر وادواته التطبيقية والمعرفية . ومما يلفت النظر ان العديد من
التشكيلين العراقين المخضرمين والشباب باتت تقترب من هذه المنطقة التشكيلية
في الاونة الخيرة , ربما لاعتقاد بخصوصية جغرافية , او مرجعية اثرية , او
هروبا من زمن صعب فاق ادراكهم . ويبقى الغموض المعرفي في تطابق النتائج هو
السائد . هذا ما نراه في العديد من الاعمال المنفذة . ان يبقى التأثير بمنطقة
واحدة يلفنا فهذا امر بحاجة الى البحث عن علته ونحن تعدينا الالفية الثانية
وباتت شساعة مناطق الاداء الفني تقذفنا من المركز حتى الاطراف القصية ,
ومن الاطراف حتى المركز . في عصر يجتهد في تعددية قراءاته.
.......................................................................................................................................
( 1 )- شريف هزاع .. المعنى
والتأويل في الخطاب الصوفي عند الحلاج .
(2 )- مصطفى واعراب
..المعتقدات السحرية في المغرب ( السحر بالكتابة بين الحرف والجدامل
والأرقام) .

كريم رسن
|

شاكر حسن آل سعيد
|

هناء مال الله
|

رافع الناصري
|

غسان غائب
|
محمد
مهر الدين
|
..................................................................................................
علي النجار ..
السويد /
10-02-2005
<
|