|
بين آن وآخر تثار أسئلة تتعلق بالاخر المهاجر
. هي الان أسئلة لجوجة تتجاوز مدلولاتها بتأثير شيوع المنطق السياسي القاصر
غالبا عن ادراك المكونات الثقافية لهذ الاخر ( المهاجر ) اختيارا او تحت ظرف
قاهر , وما اكثر ظروف الهجرة . هنا بالذات نجد بعض من مسببات او محركات
الأختلاف على الصعيد النظري او العملي .
قدر بعض دول اسيا لم يكن رحيما دوما ,
والشرق الاوسط , الذي توسط الثقافات يوما ما , هو الاتعس حضا . تصادمت
الثقافات في هذه البقعة يوما ما وتصالحت . اما الان فدائما ما تتصادم بدون
رحمة حتى ليخال المرء نفسه متشضيا بين اناه الموروثة بالقسر واناه الضائعة
بين شطان العالم الواسع , واناه الفسيولوجية بمتطلباتها المادية والروحية
العسيرة الادراك بواقع حالها المبتسر .
الفنان العراقي او العربي الشرق اوسطي او
الاسيوي المهاجر الى دول الغرب تنتابه الغرابة من ظاهرة الاقصاء بشكل عام .
ربما لكونه يشتغل في مجال ثقافي هو حكرا لهم كما يفهمونه , كونهم من رواد
حداثة الفن بامتدادها التاريخي. وكونها ايضا احد مخترعاتهم . متغافلين عن
مصادر حداثتهم الفنية ذات الاصول التي تتعدى جغرافيتهم الضيقة . او ربما
لضنهم بان هذه الاصول مجرد منشطات او مكتسبات جانبية مجانية حسمت كأرث غربي ,
وبقي قصورهم واضحا في اغفال منجز الاخر الفني التشكيلي ( الاسيوي والافريقي
وحتى اللاتيني في غالبيته ) . ربما يقع بعض اللوم على الية تقديم نتاج هؤلاء
الفنانين على الصعيد النقدي والمعرفي بما يوازي نتاجاتهم ومصادرها , فالخطاب
المكتوب يوازي خطاب الصورة . وعرض الصورة بشروطها الدعائية ( المضللة
والمداهنة احيانا ) له قبول وصدى اوسع . حرفية مخاتلة ولكنها فاعلة في
مجتماعات استساغتها واصبحت جزا من ارثها الحالي . اذا هنالك سطوة لاساليب
تتعدى الأبداع المجرد من اجل ابرازها بما يناسب اولا يناسب حجمها . ما ينقص
الفنان المغترب هو بالذات هذه الوسائل التي هي ملك لمؤسسات بعيدة عن مناله
والتي لا تتورع عن التريوج لعقيدة الهجرة والأغتراب و (الحدود التي يتحرك
ضمنها المغترب ) والتي لا تنفصل عن ذهنية وسلوك هذه المجتمعات رغم تعارضها
وارثها السياسي الحديث .
ليس بامكانك تغيير جلدك والانسلاخ عن ارثك
الشخصي بيسر , بما انه جزء من ارث اعم . انشداه وحيرة الفنان المغترب ازاء
الكم الغزير من اساليب التعبير التشكيلية الغرب اميركية , يصدع بعض دعائم
ارثه المنوه عنه ,. والانخراط في التقليد بدون دراية ومعرفة تمكنه من قراءة
هذا المنتج التشكيلي العالمي الغزير , يجعله دوما على الهامش منه , لأفتضاح
وتدني مستوى المنتج المقلد , ولفقر الدافع الروحي الفني
.
كثيرة هي النتاجات الزائفة التي شطبت على ارث
الفنان . الأرث الشخصي بمحركاته الوجدانية يمنح النتاج الفني قدرته على
الافصاح من خلال ماتيسره تجربة واطلاع الفنان وفهمه لشروط الافصاح الذاتية و
بأي مخرج اسلوبي مشاع او مبتكر , والارتكان لتجارب الاخريين او الأنبهار بها
يخلخل الثقة بالأمكانيات الذاتية للفنان
.
عرضت اعمال تشكيلية للفنان السويدي (
هكان رينبري(1 ) في دارة الفنون في عمان عام (1999) . اعمال كهذه لم نألفها
في العراق في ذلك الوقت , مجرد قطع من البلاستك الخاص , بدل قماش اللوحة , مع
مسحات بسيطة بواسطة ( الرولة ) المغمسة بلون احادي , تحتل جزأ من فراغ
البلاستك . هذه الاشكال ذات المنحى الهندسي المبسط بشفافية مواده الاولية
وببساطة وتقشف المعالجة وغرابتها الظاهرية , شكلت بعض من لغز لنا في التلقي
وفي التفسير ليس على المستوى الاكاديمي المدرسي ولكن على المستوى الحضاري
والجمالي . الأداء في العمل الفني هذا لا يتماشى واهتماماتنا المنصبة على
التعبير عن دواخلنا المكتضة بتفاصيل لا تطاق . . انها الفراغ بعينه . وهذ ما
صرح به الفنان عن عمله , حيث قال ما معناه (.. بيئتنا نظيفة ومحسوبة وكل شيئ
في حياتنا مخطط له ولا يوجد ما يشغلنا ويدعونا للبحث عن دراما المواضيع) .
(الدراما) هذه الافة التي التهمت نصف حياتنا ان لم تلتهما كلها , . بعد ان
عشت خمسة اعوام في السويد وعيت بعض الشيئ قصد الفنان , لا اقول كل القصد بسبب
من ارثي الشخصي المغترب . نظام الحياة هنا مغاير تماما لكل الأنظمة السابقة
التي عشت في ظلها سبع وخمسون عاما في العراق ، كل شيئ مسطر على الورق من اجل
صناعة مجتمع الكفاية والعدل ( مجتمع الرفاهية ) , كل احتياجات الحياة الانية
لا تشغل حيزا من التفكير . هنا ولبعض من هذه الاسباب تجد الفنتازيا في اعلى
مراحلها . اذا كانت اعمال الفنان ( هكان ) جزأ من هذه الفنتازيا . هذا لا
يعني ان كل الفن التشكيلي السويدي ( هكان ) , لكنه نموذج لا يثير تساؤلات هنا
, مثلما لا تثيرها العديد من الظواهر الثقافية المقاربة له , وما بين البساطة
الادائية والتعبيرية وتعقيداتها مناطق مشاعة للحرية المطلقة والخاضعة
لتفسيراتها المنطقية والغير منطقية بموازات مصادرها البيئية والحياتية
الموازية لروح عصرها .
تجربة الفنان السويدي التي اشرت اليها ,
تقودنا الى فك طلاسم العديد من التجارب التشكيلية المعاصرة . فما يفرزه
مجتمع ما من نتاج ثقافي او فني لا يفقد الصلة بظروف وزمن هذا النتاج . وبسبب
من شيوع وسائل الاتصال , يتسرب لبلداننا كم هائل من هذا المنتج ويتشابك مع
نتاجنا , سواء تقليعة ملبس او لحن غنائي او عمل تشكيلي او نتاج ثقافي مدون او
مصور , وبات العديد من فنانينا يتابع ما تيسر له من اطلاع على المنجز
التشكيلي المعاصر بحدود ما متوفر له من مصادر في الداخل وما تولد في دواخله
من محركات تستجيب لمنطقتها سلبا وايجابا . اما وانت تعايش هذه النتاجات عن
كثب وتغمرك بفيض من مكتشفاتها على المستوى الادائي والنضري , فلا مفر من
اعادة صياغة منجزك بموازاتها وبحدود قدراتك الادائية
.
الفنان التشكيلي الاوسطي المغترب ينظر
اليه في بلد الاغتراب معظم الاحيان كحامل ثقافة مختلفة , وبالتالي ينظر
لنتاجه الفني من باب الاختلاف هذا . وبما انه سليل ارث فولكلوري في معضمه حسب
ما يتوقعون منه . ومنحدر من منابع الضوء . فمن المتوقع ان يكون نتاجه محملا
بهذه التأثيرات . عمق هذا التصور العديد من فنانينا المهاجرين وبما يناسب
متطلبات العرض في العديد من صالات العرض الهامشية . فلو تفحصنا العديد من
ادلة معارضهم ( البروشورات) وخاصة الجماعية منها , لأكتشفنا فقر في الأبداع
والأنكفاء على تواريخهم الشخصية لما قبل هجراتهم . وان حدثت تغييرات على
اساليبهم , فهي بحدود الصقل والمدارات , وفي حدود الاخراج المقبول الذي يداري
ذوق المستهلك وقاعة العرض ( وهذا زيف ) . باستثناء بعض التجارب المتفردة التي
حاولت جهدها التوفيق بين مكوناتها الثقافيية والعالميية التي هي جزء منها
.
الاختلاف الأهم اذا يكمن في محمولات
الثقافة . الحرية المطلقة في الغرب تتوافق وتتقاطع وذهنية الفنان المغترب .
منها الحرية الجنسية بما فيها المثلية واكتسابها الصفة الشرعية في العديد من
الدول الغربية بالنظر لكونها حرية شخصية . وتناول الابداع التشكيلي هذه
الثيمة وغيرها بنفس الحرية والفنطازيا التي يتناول فيها ظواهر اخرى و مثلما
يفلسف مستجدات هذا الابداع بما يناسب متغيرات الواقع الثقافي والمعرفي
وبالاستفادة من متغييرات النتاج العلمي المعلوماتي والتغييرات الشاملة لنظم
الفلسفة السياسية . لم تعد لوحة المسند كما كانت عبر تاريخها الطويل بنفس
الأهمية الطاغية رغم كونها استوعبت معظم مساحة الزمن الثقافي المستجد ,
بمحاورة ومجاورة ارث الحداثة . بشكل خاص في بلدان الحداثة نفسها ,( فرنسا ,
المانيا , هولندا , وغيرها ) . على سبيل المثال , فأن ارث التعبيرية
الالمانية لا يزال طاغيا في المانيا بشكل من الاشكال رغم اختلاف الصياغات الى
الان . كما لايزال العمل التشخيصي يحاور مستجدات التشكيل المستحدثة في عموم
العالم وبما يتناسب وهذه المستجدات . العمل المسندي يبقى رافدا من روافد
المعاصرة يتعرض لما تتعرض له من متغييرات وبما يتجانس وبقية منافذ التعبير
الادائية .
الفنان المغترب لشحة موارده بشكل عام وجد
نفسه لا يتجاوز العمل المسندي ( لوحة المسند ) الا في حدودها الدنيا لافتقاره
للجهة الداعمة . وان وجدت فهي الاخرى في حدود دنيا . من هنا نجد فقر مناطق
ابداع فنانينا المغتربين واغترابهم عن مستجدات الابداع التشكيلي للدول
الحاضنة . اضافة لأرث لم يستطيعوا محاورته وارث الاخرين بما يكفي لانتاج فن
ذي صبغة شمولية . فن الان يستنطق المادة والضوء الفيزيائي والصورة الاثيرية ,
كما يستنطق المطلق في التعبير عن فكرته . يحاور العلم والوهم والخيال .
الواقع وما وراءه . يخلق ( كاريزما ) في بعض نتاجاته تتعدى حدود المعقول ..
فهل تتوفر لفناننا المتوسطي المغترب فرصة دخول هذه العوالم الابداعية , ام
يبقى مكبلا بارثه الشخصي الغير متجانس ( بما ان التشكيل الغربي بالنسبة للشرق
مستجد كأي سلعة ثقافية مستوردة ويبقى في حدود الانتقاء الشخصي ) .
في تجربة الفن العراقي ( فناني حقبة
الستينات وبعض من حقبة السبعينات ) كانت لمصادرهم الدراسية الفنية التشكيلية
في بلدان الغرب الاثر الابرز في تفعيل قدراتهم للحد من خلو نتاج العديد من
هؤلاء الفنانين من اي اثر لأرثهم التشكيلي الاثري او المحلي ( محمد مهر الدين
مثالا ) مثلما خلو العديد من نتاجات تشكيليينا الغير مغتربين الان من هذه
التأثيرات المحلية وانكفائهم على مساحة تعبيرية تجاوزتها مستجدات العصر
التشكيلية بوهم اورثه لهم الجيل السابق . بمعنى ما , اغتراب اورث نزعة مغتربة
خالية من اي تفسير معاصر يوازي مستجدات الفعل التشكيلي المعاصر , وبما يحمل
من موازات او اختلاف مساحة الاداء والتعبير العالمية , التي لا تنحصر بنتاجات
الغرب فقط .
يبقى تنازع الذات الموصولة بتواريخ عاثرة (
متمردة متنمرة , مستلبة ومكابرة) . تواريخ بلدان الفنان المغترب الأم , يحفر
عميقا في دواخله ما دام يحمل هوية انتمائه لبلدين بمحمولاتهما الثقافية
والبيئية الغير متجانسة , او الغير متوازية . تاريخ يشده لواقع مأساوي (
العراق مثلا ) وتاريخ يبسط له مساحة خرافية من الحرية . فهو مطالب من الاخر
بالتواصل وارث بلده المأساوي , كما هو مطالب بالاندماج بوسط مغاير . تكمن
حلول هذه الاشكالية في مدى فهم الفنان لشروط ابداعه الذاتي , ولفهمه لمديات
المساحة الابداعية التي يشتغل عليها وعلاقتها بزمن الابداع
.
ليس معنى
الاختلاف عزلا في زمن يطمح لايجاد صيغ لعولمة ثقافية . على الفنان التشكيلي
المغترب اكتشاف ذاته من جديد وسط خضم التجارب التشكيلية المعاصرة وليس بعيدا
عن ذاته . كثيرة هي التجارب الفنية المهاجرة التي حافضت على مكونات بيئتها
الاصلية . (كاركتر) ملامح التشخيص في اعمال الفنانين الصينيين , مثلا ..
معاصرة الاعمال التشكيلية اليابانية التي هجرت مناطقها التقليدية . منجز بعض
فناني امريكا اللاتينية المهاجر ... والأمثلة كثيرة . الوعي مهم في قراءة
التجارب التشكيلية المعاصرة . الفن لغة مباحة للجميع وليس خاضعا لمفردات لغة
مقروءة , هو يستفيد ايضا منها بقدر استفادته من كل مادة قابلة لتطويع اساليبه
. ميزته الكونية هذه اذا ما تمكن من استثمارها الفنان المغترب فبالتأكيد سوف
يكسر نتاجه الحدود الوهمية ويتعدى عزلته , سواء الحقيقية منها او المفتعلة
.
..........................................................................................................
|