|
رغم
ما هنالك من مزالق في وهم محاولة الكتابة عن التجربة الفنية التشكيلية
الشخصية , الا ان تجربة ما , تثير في الذهن تداعيات ذاتية , وتثير اسئلة
وجودية لا تخلو من مناخات جمالية لا تنفصل عن جغرافيتها الا بقدر الدلالة
المكرسة اثرا زمانيا ووجدانيا , تدعوك لتناولها بما يتيسر لديك من ادوات
الكشف عن بعض مكوناتها . من هذه التجارب تجربة الفنان العراقي ( كاظم نوير(
تتجاوز تجربة هذا الفنان زمنه بنوايا
التجاوز الواضحة من خلال تنوع مناطق اداءه التعبيرية في مجمل نتاجه الفني
الغزير قياسا لزمن التجربة ككل , هو لم يكتفي بما وفرته مساحة التجريد
الاشاري المعاصر , او الدلالة الاثرية او ولع باستحضار فولكلور هو بعض من
ذاته ان لم يكن سردا لسيرة زمن تماهى وذوات اناسه في رقعة جغرافية لم تجد
فسحة من زمن يعتقها من ضيق مساحتها . هو وعلى ما يبدوا مخلصا لمرجعياته هذه ,
رغم ولعه بما توفره مرجعياته المعرفية وذائقته الفنية , التي اخلص في
تدريبها , لمحاورة المطلق واستجلاء عتمة هي الاوضح استدلالا عن تراجيديا زمنه
الاني .
لم يكتفي ( نوير ) ببحثه الذاتي تنقيبا في
مساحة مشاعة لجيله من التشكيليين العراقيين , بل حاول (ولسبب كامن في ذاته )
القبض على نبض ريادة التشكيل هذه , في اعمال قطبيها ( جواد سليم ) و ( فائق
حسن ) . اعمال مختارة اعاد تدوينها وطمرها بطبقات شفيفة حاولت جاهدة طمس
معالمها , ليس الغاءا , بل بحدود الافصاح الشحيح عن ماض لا يزال فاعل بقدر. .
مناورة الماضي هذه هل هي بحدود التحدي المباشر , التماهي ,او التجاوز , اوكل
ذلك . تجربة كهذه لم تكن بعيدة عن تجارب عالمية ( اوربية ) حاورت منجزات
مدارس سابقة تناصا مستحدثا اوتفكيكا موازيا لعناصرها الواضحة , من اجل ادراك
المشاع او اعلاء الذكرى لعمل لا تزال ذكراه تؤنسنا . لم يسلم ( فان كوخ
ولوترك ) مثلما لم يسلم ( دافنشي وروبنز ) وما بينها من مساحة شاسعة من هذا
الفعل الفني التنقيبي .
اكتضاض تفاصيل مدونات اعماله المدومة دوما
بنثار خلفياتها , لا تدع للاسترخاء مجالا . هي بشكل من الاشكال تلاحق تفاصيل
حياة معاشة وسط الجحيم , في بيئة استباحتها اسلاب تاريخها الكارثي المعاصر .
لقد مزج ( نوير ) تداعيات حلم طفولته بكل شخوصه الفولكلورية المؤثثة
بدلالاتها المبهرجة . رغم استباحتها بعتمة او وهج طبقات ملونتها , الا انها
لا تني تخترق السطح بفعل سطوتها التي تلبست ثنايا ذهنية الفنان . غربة الفنان
وسط بيئة استوطنته تواريخها الكارثية وفجرت الفعل الدرامي المناقض لمكوناته
الوجدانية . التناقض هنا وعلى ما يبدو هو جزء ان لم يكل الكل في تفسير ظاهرة
تنوع تفاصيل تجربته التشكيلية . فما بين التشخيص الحديث والاشارة وطمسها . ما
بين احفورات السطح ومدوناته البيئية . ما بين حلمه الملون وخراب هذا الحلم .
تقبع ذات لائبة لا تقنع بانجازها , الا في حدود المحاورة والمناورة واستنطاق
المخبوء منها . ذات استوطنت مناخات غربة الروح والجسد وباتت تبحث عن خلاصها
في مدوناتها . دراما اغترابه هذه لا تني تؤجج دواخله . رغم ذلك فان خيطا ما
في نتاجه يحاول الافلات من اسرها .
ليس اللون في تجربة الفنان مكرسا لجمالية
الاداء او ترفا خياليا ( ما دام تكريسه للعمل الفني من خلال اللوحة الملونة )
. ولا هو بحدود عنصر توازن ديكورية مشهد مصنع بحدود صناعته . ملونة الفنان (
كاظم نوير ) تتناغم وطوبوغرافية جغرافية بيئته . احفوراته البيئية هذه تستقى
عديد مصادرها من التراث التشكيلي العراقي الحديث , بالوقت الذي لا تغفل
ايحاءاتها لمصادرها الذاتية ضمن اجتهادات صنعتها ودلالاتها الوجدانية . هو
ابن بيئة ملكت عليه حواسه , رغم ولعه المعرفي الذي يحاول جاهدا تجاوز محليته
الى عالمية الطرح والاداء ( رغم كون المحلية الان هي جزأ من نتاج العالمية ,
او العولمة الثقافية ). هذا ما نراه في العديد من اعماله التي كرست التجريد
الاشاري او اللوني الوجداني . حرية السياحة بين قطبي الأشارة والتشخيص ,
ومساحة من تجارب التجريد المعاصر , الذي يتجاوز العبث الى مناطق مطمورة من
وعي الفنان . مناطق لا تزال قادرة عن الافصاح عن مكبوتها بحدود امتلاك وسيلة
الافصاح التي لا يني الفنان استجلائها بما توفره مقدرته عن الافصاح . ليس
اللون كعنصر مهم من عناصر اعماله , عبثا ولا لعبا , لا انبساطا ولا استرخاءا
. اللون عنده مشدودا دوما بشحنة انفعاله وما تفاصيل اعماله الاخرى الا تابعا
لاداءه . هو بحاجة لاسترخاء يعيد توازن مكنوناته الوجدانية بعد كل اختراقات
زمنه ( زمن العراق المنهك بعبث تواريخه المعاصرة ) . مساحة فن الداخل ( كما
يطلق على نتاج فنانين لم يغادروا العراق في ظروفه الحرجة ) لا تزال فاعلة
بحدود ما توفره ولاداتها القيصرية التي نأت عن مساحة التشكيل العالمي , والتي
باتت تتناسل فيما بينها . جهد الفنان الخارق وحده ما يبقي هذه المساحة موصولة
وتجارب اخرى اعم واشمل .
وضوح اعمال ( نوير ) في منطقتها المؤسلبة
. منطقتها المعتمة التي تنسحب على تفاصبل العديد من اعماله , ستر تتخفى خلف
حجبها , ومع ذلك فانها تبوح باكثر مما تظمره , خلف طباقات عتمتها . هل هي بعض
من حرائقه المعلنة ؟ , ام هي اظهار لمخبوء يلح عليه .. ما تعلنه ارادة الفعل
الفني غالبا ما يتجاوز البوح الشخصي العصي , او المباشر . وما نحاول قرائته
في تجربة فنية ما , غالبا ما تكون عصية عن الادراك في مناطق عديدة منها .
اسرار او لذائذ كهذه تمنح العمل الفني فرادته .
تجارب ( نوير ) المتنوعة . رغم اختلاف
مناطقها التعبيرية . الا ان هناك حبل سري يربطها ببعضها . ولعه بملونته
المكتنزة بوسط بيئي لا يني يكرس اللون صنوا لذاته . تفاصيل مبعثرة على امتداد
تاريخه الشخصي والعام , لا يتعب عن لسق خيوطها بشرنقة ذاته . تجريب مثابر
لمكتسباته الشخصية بمحمولات ثقافة كونية تخترق حجب تابو بيئته المحلية
.
ولع في التخاطر مع تجارب العالم المعاصر (
لانعدام الاحتكاك المباشر بسبب من استثنائية ظروف العراق ) . مع علمنا انه
ليس بالتخاطر وحده يدرك الفنان مستجدات العمل الفني التشكيلي العالمي المعاصر
. اشادتنا بهكذا تجارب فنية يبررها انجاز الفنان ذاته , مثلما تبررها وبشكل
اعمق ظروف انجازه الفريدة الغرابة , في زمن يتيح للمبدع فرصة متابعة نتاجات
الفن في كل بقاع العالم من اجل فهم شروط وذاءقة عصره . هذا لا يعني التماهي
وكل مستجداتها , بعيدا عن البحث الشخصي الذي هو في محصلته النهائية جزء من
هذا النتاج .
|