|
الفن
, هذا الهيكل الغريب . جسده الأثير , اطرافه الواقع والخيال , الحقيقة والحلم
. الطبيعة والميتافيزيقيا . الان والماضي الغابر . يحاور المطلق والمستحيل ,
مثلما يحاور دواخل النفس العصية الادراك . يتبنى ويقترح رؤى تتجاوز المألوف
من نتاجات المعارف الاخرى . ميزته الساحرة والمربكة هذه غالبا ما توقعنا في
اسارها . ما يستعصي و ما لا يستعصى على الادراك . بعض من اشد معاناتنا
الأنسانية , ومرض ( الأيدز ) ابرزها . تحاوره فنيا اعمال بعض المصابين .
اعمالا غير مألوفة لمصابين بمرض غير مالوف , استغلوا مساحة الحرية الغير
مألوفة للتشكيل الان , بقدرات ذاتية لا تصبو للكمال الادائي في محاولة لأشباع
حاجتها الأنسانية في الافصاح عن ذواتها . هيكل الفن ( التشكيل منه) المتطاول
يطاوعهم في ذلك.
..............................................................................................................
عن ( الايدز ) :
اول اكتشاف مدون عن هذا المرض كان في اميركا عام ( 1981 ) . ربما تتوفر
لدينا مستقبلا معلومات موثقة عن نشأته , ويتم لنا كشف ملابساته
البيئية والاقتصادية والسياسية الغير بريئة.
فيروس نقص المناعة المكتسبة ( الأيدز ) هذا يهاجم خلايا جهاز المناعة المسؤل
عن الدفاع عن الجسم ضد انواع العدوى وانواع معينة من السرطان , ولا يوجد
له لقاح . حاملي هذا المرض الان من كل القارات.
,
يقدرون ب( 30 مليون ) انسان . يصاب كل يوم ( 8500 ) , منهم ( 1000 ) طفل .
اي
بمعدل اصابة جديدة في اقل من ( 6 ثوان(
لا
يزال معدل الأصابة بالعدوى اخذا في الازدياد في البلدان النامية , واللذين
يتعاطون المخدرات , نقل الدم , زراعة الاعضاء , وغيرها ... اما الامراض
المنقولة جنسيا فهي
بمعدل:
70%
(
ممارسة الرجل والمرأة
),
10%(
لواط)
و 5 % (حقن
المخدرات)
.
................................................................................................................
الجسد بمحمولاته المتنوعة يوفر منافذ عدة لتسريب مناطق انتهاكاته
المجهدة . منافذ او مسارب للداخل والخارج . ما يهمنا هنا مساربه التعبيرية
الاكثر حميمية . مدونات مرضى الايدز التشكيلية هذه تكشف لنا اسرار الداء
والجسد والروح المنتهك.
.................................................................................................................
المدونات التشكيلية
:
...........................
المدونة
الاولى
:
جسد , الكريات البيض . هل تلتهمه ام يلتهمها . قابع خلف ظلمته , شبح هو
الجسد . ما مقدار زمن فنائه , او تصدعه . فاقدا ظله متنصلا عن هويته لا لون
له ,لا علامة دالة له . عاجز حتى عن الدوران بفلك مدارات جزئيات كرياته
البيضاء العاطلة , متاكسدا بانحلالها
.
المدونة الثانية
:
الجسد فاكهة محرمة لا تملك الا قشرتها . الشجرة شبكة عنكبوت , فريستها
جسد مهمش عاريا الا من المه او وزره . للشجرة دورتها الموسمية و للجسد فناءه
المنتظر
.
لحم
مجفف او محنط باكفان شجرة هي الحياة لحظة جفافها .
المدونة الثالثة
:
ان تكن طفلا , صغيرا . يكون العالم فضاءا رحيبا . وان تكن شيخا فالعالم يسعك
على قدر معارفك , او حياتك التي تسحبها خلفك . لكن ان تشطب على طفولتك في
مهدها الأثير , فهذه هي لا معقولية ( الايدز
. (
المدونة الرابعة
:
قدرنا ( بصمة ابهامنا ) علامتنا المميزة . مصاحبة لنا على امتداد ازمنتنا .
تتشابك خطوطها وتتثنى على امتداد تعاريج ازمنتنا . نحرص على تتبع اثارها ,
ونخشى فقدان حظوظ دروبها . وحده تهتك الجسد المشين هذا يسحقها خيطا خيطا
.
المدونة الخامسة
:
الجنس ليس تفاحة في تصور مريض الايدز . الجنس الملوث قوة غاشمة . ماركة
مغايرة للمألوف , صليب نازي متشابك والجسد في دوامة فناء
.
المدونة السادسة
:
هل بالامكان تغطية عري الروح , جرح الجسد او تلوثه , ان كان بالامكان حجب
الجسد , او مناطقه الاكثر افصاحا . اي ازار ناقص هذا الذي يبوح اكثر مما يستر
من مصابك , وانت وحيدا الا من بعض دثارك
.
..............................................................................................................
ليس من الصعوبة متابعة خيط التعبير الفني التشكيلي في هذه الاعمال التي
اخترتها من ضمن العديد مما انتجته قرائح مرضى الايدز . هذه الفعاليات
الأنسانية التي هي جزء من كم كبير من فعاليات تعبيرية اخرى , حاول المرضى
ايصال شفرتها لنا . ليس بالضرورة ان يكون مدون العمل فنانا محترفا بما ان
وسائل التعبير مشاعة . في حالات كهذه تتساوق اعمال احترافية واخرى غير ذلك .
المعاناة واحدة , وليس في الامر سوى اختلاف الأستجابة التعبيرية الملازمة
للأنسان اي كان . ما يقوده لذلك عمق التجربة , اوبعض من الاشراقات في لحضة
اختراق الذات بمسسببات فنائها . لحضات التجربة الوجدانية هذه لا بد ان
تستجيب لبواعث شتى . منها التسامي في لحضة مساس المجهول , او المطلق في
استشعار الفناء . انتفاض الحواس المشبعة دنيويا بما لها من فسحة قصيرة .
استفزاز عصب الادراك واثارة محفزاته الوجدانية .. وغير ذلك
.
ما وفره زممنا المعاصر من امكانيات تعبيرية بادوات مشاعة للجميع , و
ذائقة لا تنحصر في المألوف . مع كم هائل من وسائل التنفيذ التشكيلية
المتشابكة وسهولة اقتنائها وتعلم تقنياتها . كل ذلك اتاح للفرد امكانية
محاورة ذاته بما يستجيب لهذه المحاورة من وسائل . لم يعد العجز او المرض
انكفاء على الذات في حالات عظمى . ولم يعد العزل ممكننا ما دام كياننا الذاتي
متحققا بهكذا وسائل . يبقى اختراق الكارثة وتفتيت اجزائها تنقيبا عن عصبها
المدمر
سمة هكذا اعمال .
|