|
1
- ان يكن الفن وثيقة , فهو بشكل من الأشكال يفصح عن محتوياتها بما توفره
له ادواته الخاصة . وان كانت الوثيقة عن الحرب والحرب عالم واسع . بشع وقاسي
, مدمر ومهلك , خادع ومداهن تتعدى اثاره التدميرية الأنسان والبيئة والكون .
وثيقة كهذه تناولتها اعمال الفنانين التشكيلين لحقب عديدة . في البدء كان
للمنتصر النصيب الأوفر منها ( منحوتات اشور مثلا ) , اذا تجاوزنا ( اللبوة
الجريحة ) , التي حسب ما ارى انها لا تختلف عن غيرها من منحوتات ( الصيد )
الاشورية , الافي حدود مدلولاتها المستجدة لاحقا
.
ان يكن مثال الفنان الاسباني ( كويا ) مغايرا , فالأمر عائد لنشأته الأولى
اولا , ولنزعاته الأستقلالية
التي
اججتها تصرفات محاكم التفتيش الاسبانية التعسفية معه , وقساوة تصرفات الغازي
الفرنسي . ثم بعد عدة حقب ما وفره الفكر اليساري الحديث لكل من ( سيكاروس ) و
( بيكاسو ) في زمن الحروب الكارثية للقرن العشرين , مع اختلاف الأساليب
التعبيرية لكل منهم
ما حاوله الفنان العراقي السويدي ( حقي جاسم
) في تجربته الأخيرة ( 1 ) يستحق التأمل . اعماله هذه التي حاور فيها مفردة
الحرب القاسية , تكشف عن ولعه في البحث الدؤب في ارشيفها والكشف عن مفردات
كثيرة تشكل بمجملها موسوعة بصرية لا تقل في اهميتها عن نظيراتها المدونة .
الأختلاف يكمن في محاورة او مجاورة هذه المفردات البصرية بما يساعد على
الأمساك بجذوة الفعل الدرامي المصاحب لماسي الحرب . اعماله هذه التي وظف فيها
نثارا تلصيقيا تعدى ارشيف الحروب الحديثة الى مدلولات استقاها من عمق الفعل
التاريخي , الأركولوجي والسوسيولوجي . بحث كهذا يتطلب سعة اطلاع لم يعدمه
الفنان . تساؤلات اخرى مصاحبة لم يكن غافلا عنها كالوجود من عدمه , قيمة
الحياة من فنائها , الحضارات وبذرة سقوطها . سلطة المال والفوارق الطبقية
.
هوية الأنسان المعدمة كما يتصورها الفنان خرائط مدن منتهكة . خرائط او
خرائب طوبولوجية , لا فرق , ما دام الأثر التدميري جليا . حياكة تفاصيل
مقتناة بعناية في نسيج اعماله , تفاصيل تغني هذا النسيج التدميري ولا تلغي
وحدته الاسلوبية ولا نهجها الأرشيفي في نفس الوقت . وكما يبدو فان الفنان
استفاد كثيرا من اساليب عمله الكرافيكي في اخراج هذه الاعمال التلصيقية ,
نسيجها بشكل عام يشكل وحدة مع منتجه الفني الكرافيكي السابق , رغم اختلاف
تفاصيل مفرداته الجديدة بما يناسب تفعيل ذهنيتة المستفزة من جراء الانتهاكات
الصارخة الني يتعرض لها وطنه الأم ( العراق ) يوميا . تفاصيل انتهاكات
الحروب المعاصرة من الشرق والغرب والشمال والجنوب . يقف الانسان وسطها فردا
اعزلا كما فاجأه ظهورة الأول وسط رقعة الأرض الواسعة استفزازا لبيئة بكر
غافلة عن انتهاكاته القادمة
.

حقي جاسم
خرائط ( حقي ) , ان تكن حقا خرائط كما يبدو مظهرها مفاجئا اول الأمر , لا
تختلف عن خرائط الحرب الا في النيات . في نسيج خطوطها وخنادقها ومطباتها تكمن
الأدانة باعلى مستوياتها . نسيج ناعم سلس لكنه ملغم بخرائب الجسد والبيئة
والأيديولوجيا . لقد توفق الفنان بما يملك من خلفية ثقافية وتقنية من ايفاء
هكذا موضوع مغر وصعب في ان معا , حقه من البحث والتقصي وربط خيوطه تشكيليا
بوحدة منسجمة , رغم تعدد اعماله هذه
.
2 – لم يكتفي الفنان حقي بالتعبير عن موضوعة الحرب باعماله التلصيقية , او
خرائط ملصقاته . بما ان المساحة التدميرية للحرب شاسعة و تستوعب فجاجة ما
خلفته من فكر تدميري . من هنا جاءت محاورته الثانية منلوجا حواريا لبذرة
التدمير البشرية , منذ الوعي الحيواني الأول للأنسان الى وقتنا الحالي ,
كدورة زمنية مفرغة . عمله التجميعي هذا المعنون
:
( 4000, 000 of
bipedalsm )

حقي جاسم
بمحتويانه العديدة منتقاة بما يواؤم فكرته ( والعمل هنا يستمد مقوماته
من مساحة دلالية قابلة للتأويل ) . ان يكن العمى الأنساني بهذه الغفلة كما
يظهره هذا العمل , فهو حقا لعنة . مفردة أنسان الجيل الأول الذي اعتمده العمل
التجميعي , رغم تبدل العصور ( حضاريا ) الا انه لا يزال يطارد فريسته بوعي او
بدونه , لا زالت البوادي تستوعب تصرفه الرعوي الأول . نقطة الصفر الحضاري (
السلوكي ) المجردة كما تفعلها ادوات ( حقي ) تبقى مربكة بتفاصيلها المنتقاة
بحذر وعناية مدروسة ضمن مشروعية الاحتجاج على الفعل والنوايا التدميرية
العدمية . لم تكن ادوات ( مفردات ) هذا العمل بحدود التجميع العبثي او
الفنتازي , بل تجاوزت منطقته التعبيرية ( التجميع ) الى منطقة فنية دلالية
اخرى ( المفهومية ) , بما تثيرة من اسئلة الدهشة والأغتراب . عمل كهذا يؤكد
على قدرة استيعاب اساليب العصر بما يخدم اخراج العمل الفني بنواويا الفنان (
المؤلف ) وليس المزوق
.
ان كانت للأنسان الاول ارجل عزلاء يجوب بها البراري فهو الان يملك الوسائل
الخارقة الني تقودة الى الافلاك , لكنها تبقى عاجزة عن قيادته للتصالح مع
ذاته ومحيطه
.
.................................................................................................................
3 - الفنان الاخر الذي ساهم مع حقي في هذا العرض الثنائي , هو الفنان
السويدي ( ديتر انكلر( 2) . مشروع ( ديتر )
التجميعي (البرنامج ) لا يبتعد كثيرا عن هاجس اعمال ( حقي ) , اذ يبقى
الأنسان في نظره قيمة حضارية معنوية لا استهلاكية وفي نفس الوقت لا يخضع
لابتزاز قهر سلطة المال او العمل كبضاعة استهلاكية . اثث ( ديتر ) غرفته
المعيشية كما هي مثيلاتها من الغرف المملة الاخرى . اريكة ومنظدة وتلفاز .
ومابين عالم التلفاز الساحق واكداس المجلات الرخيصة ( المحتوى ) يمضي العمر
في انتظارات سقيمة للحياة , او فرص حياة ربما لا تأتي . وان اتت فهي موات
روتيني اخر . ما يبحث عنه ( ديتر ) هي نقطة التوازن التي يستند عليها انسان
القرن العشرين . انسان الروبوت ( زر الروبوت الأنسان ) المستحيل , الغير قادر
على الصدأ . استحالة التوازن هذا يبثه برنامج ( الفديو ) المتلفز . لحضات
متكررة للأبد من استعادات دوران دولاب ماكنة الغسيل بصوته الميكانيكي الهادر.
لحضات الحياة الهاربة الصاخبة او التي تظمر الصخب الداخلي رغم ما يحيطها من
سكون , تسرق العمر كله للاشيئ . فقدان او ضياع الذات هذا ما يؤكده العمل .
انسان ( ديتر ) مفرغ من لغته ( هويته ) عار اعزل حتى من ذاته . في بحثه عن
اصوله الأنسانية المفقودة لا يجد سوى الخواء . وما يحاوله الفنان في بحثه هذا
هو البحث عن الجوهر المفقود . الأنسان العاري الجديد خارج منظومة هذه البرمجة
العمياء . هذا ايضا ما اكدته تخطيطاته المرافقة للعرض
.

Dieter Engler
يبقى التساؤل مشروعا من خلال هذا العمل : عن ماهية التقدم التكنولوجي
المتسارع الذي يشهده عالمنا اليوم , هل يظمر في داخله ( او داخل منظومته
المنتجة ) مكننة او برمجة الأنسان بما يقودة الى الخواء الذاتي . وما الضير
لو اعاد الانسان سيرته الاولى بصياغات اواختيارات اخرى . حرب الذات والمحيط
هذه لا تختلف عن صياغات زميله الفنان الاخر ( حقي ) . المستهدف الوحيد في
كلتا الحالتين هو الأنسان الوحيد الأعزل الا من ذاته . اعمال كهذه تبقى فاعلة
بما تطرحه من اسئلة الوجود الكبرى الحرية على البحث والتقصي المسهب , من اجل
ايجاد اجابات شافية تعيننا على مواصلة الحياة كما نحلم ان تكونها
.
.................................................................................................................
1
-
العرض المشترك مع الفنان ( ديتر
انكلر ) في قاعة ( اور ) في مدينة ( مالمو ) السويدية , بتاريخ ( 2005- 07-30
)
Dieter Engler - 2
……………………………………………………
<
|