|
منذ الاعلاء من شأن الفن البدائي ( رسوم الكهوف ) تحديدا , بدلالات تأويلات
حضارة حديثة مختلفة تماما بسلوكياتها ومنجزاتها العلمية ( الكشف عن القيمة
الشكلية والخطية لهذه الرسوم بمقاييس نقدية وبذائقة حضارة متقدمة ) , يعني من
ضمن ما يعنيه ان النتاج الفني ليس حصرا على منتجيه المهرة وبما يساير ذائقة
عصور ثقافية محددة هم فرسانها . فاللعب الثقافي الحاذق ليس وحده يصنع فنا ,
ما دامت هناك محفزات او محركات ذهنية وغريزية لا تكف عن الالحاح في الكشف عن
اسرارها بما يتوفر لها من قدرة على الأفصاح عن مكنوناتها التعبيرية , يتساوى
في ذلك انسان الأدغال ( على ندرته الان ) وابرز فناني العصر .
بامكاننا
مقارنة او مقاربة اعمال لفنانين بدائيين معاصريين من ( استراليا و ايسلند)
بالذات تلك الاعمال التي اشتغلت على طبيعة منطقة سكناهم الطوبوغرافية ,
مقارنتها باعمال فناني البيئة المعاصرين . خرائط الاثنين لا تختلف كثيرا الا
في حدود مدلولاتها . فالبدائي يمسح بيئته و تفاصيلها السرية ويحلل ملونتها
بما يتوفر له من ادراك لمنظومة الالوان الفلكية ومن قدرة على استجلاء خفاياها
من نباتات و اشجار وحيوانات يابستها ومياهها , ودمج ذلك بمنظومة ارثه
الميثولوجي . الفنان المعاصر هو الاخر يحاول سبر اغوار بيئته بوسائل اخرى لا
تخلو في الغالب من اللعب على تفاصيلها الثابته بحدود الاعلاء من شأن مفرداتها
من اجل الحفاظ على ديمومة القها او بما يثير غرابة هي بعض من حيل التشكيل
المعاصر ( الفنتازي ) .
.......................................................
على النقيض من نتاج التشكيل البدائي , نتاج غريب اخر , غريبة هي ظروف نشاته .
مثلما هو النتاج البدائي منسجما وبيئته , نشأ نتاج فناني جدران شوارع المدن (
الشباب ) في اميركا واوربا اعتراضا على الموروث الاستهلاكي للمحيط والبيئة و
اعتراضا على الفوارق الثقافية والطبقية , بما فيها الفن التشكيلي الرسمي .
جوالوا الشوارع هؤلاء , او بما يمكن ان نطلق عليهم تسمية ( مراهقي التشكيل )
الشباب , لصغر اعمارهم . ابتكروا وسيلتهم التعبيرية خارج فضاء المؤسسات
الفنية الرسمية ( لعدم الاعتراف بهم ) , وبما تيسير لهم من وسيلة ادائية سهلة
( علب الألوان البخاخة ) . لم يكن عملهم علنا , بل اغتصابا لفضاء الجدران على
غفلة من الرقيب , يتساوى في ذلك الفضاء المتيسر الذي يحتل منطقة بارزة من
فضاء المدن الداخلي . او فضاءا مهملا . ما يهمهم من كل ذلك هو امكانية
الأفصاح عن ذواتهم خارج اية رقابة رسمية.
لم
تكن مواضيعهم محددة ولم تكن اساليبهم هي الاخرى متشابهة الا في حدود امكانية
اداء مادة التلوين الادائية التي تطاوع التدوين الحروفي والخطي في معظمها .
وما بين التدوين الساخط والاشكال المتنوعة المفرغة توسطت مساحة تعبيرية ذات
مدى واسع تمتد من الجنس وحتى السياسة والأمنيات الضائعة . . لم تغفل بعض دور
العرض التشكيلية هذه الظاهرة في محاولة لتدجينها , مثلما فعلت بعض دور العرض
الاميريكية. ولم تغفل ادارات المدن هي الاخرى عن ذلك . مثلما حدث في ( السويد
) للأحتفاء باشهر هؤلاء الرسامين الشباب وتخصيص مساحات مجهزة له . كان القصد
من قبل الجهات الرسمية الحد من هذه الظاهرة في بلد يقدس النظام ونظافة واناقة
مدنه . ومثلما كانت بهجة الرسام بداية بمكسبه هذا , بدأ السأم ينخره فيما بعد
, لأنتفاء المحفزات الأعتراضية الأولى . وما بين تدجين مؤسسات العرض ومؤسسات
الدولة لهكذا ظواهر تشكيلية , تبقى مساحات من هنا وهناك من فضاءات المدن
قابلة للأختراق , بالرغم من وجود مكتسبات علنية محجوزة فضاءاتها لجمهرة منهم
, كما هو ذلك الجزء المهم من جدار برلين . او فضاءات اخرى في مدن ثانية
تجربة الفنان
العراقي السويدي ( جعفر طاعون ) في مهرجان ( فن المناخات فن البيئة )
التشكيلي الأخير في تونس , اشتغلت بموازات تجارب , ان صح ان نطلق عليها (
اجتماعية ) , من منطلق اشراك الجمهور عنصرا مهما في تنفيذها . اعماله , او
مجهزاته , استقت اجوائها من مقاربات لتجارب سابقة لفنانين تشكيليين , الفرنسي
( كلين ) والالماني ( ماثيو ) الأستعراضية امام الجمهور في فترة الستينات ,
ولم تبتعد عن منجز رسامي الشارع الا في حدود غاياتها الأجتماعية . خروجها عن
مألوف العرض التشكيلي ( صالة العرض ) مقارب ايضا بعض الشيئ لتجارب فناني
مهرجان ( اصيلة ) المغربي مع اختلافه في حدود وسيلة التنفيذ . في الوقت الذي
اعتمد المهرجان المغربي سطوح جدران مدينة ( قرية ) اصيلة مجالا لرسومات
الفنانين العرب . اعتمدت تجربة ( جعفر ) سطوح ( النايلون ) بعد اكسائها
لهيكل انشائي خشبي معد في فضاء الساحل . فضاءات هذه السطوح الشفافة تركت
مساحات للتلوين والتدوين للجمهور وبمختلف الأعمار في موازات فضاء مقارب اخر
, هو البحر المحاذي لها , وما اختلاف الفنان الا في طريقة تنصله عن مهمته (
الرسم والتلوين ) لصالح الجمهور المندهش من مبادرته هذه , في محاولة منه لكسر
مألوف العرض التشكيلي بما يوازي لا معقولية سكونية العروض التشكيلية العربية
التقليدية ... عروض كهذه تبقى عصية على التقييم بما توفره من اشكاليات , ولا
تجد مبررات صيرورتها الا في حدود نياتها . كما هو الحال في العديد من اعمال
التشكيل الفنتازي المعاصر .
.....................................................

لم
تكن محاولة ( مارسيل دوشامب ) الدادائية منذ بداية العقد الثاني من القرن
العشرين . لكسر الأرتباط , ان لم نقل كسر الحدود , في المجال التشكيلي , نزوة
او عبثا . بقدر ما كانت نبوءة لمسارات قادمة . لقد كان وعيه المبكر , او
تذمره , من مسارات الفنون الغير مبالية بالصدع الاجتماعي السياسي وغفلتها عن
حقيقية التهديدات الكارثية لنذر الحرب العالمية الاولى . العبث او الجنون
الغافل هذا كان حافز التمرد الدادائي . بعيدا عن لهجة التهديم العنيفة في
بياناتهم , فان موروثهم التشكيلي لا يزال فاعلا بما ارساه من تقاليد ادائية
اباحت استغلال كل المواد الاولية او الجاهزة في تنفيذ الاعمال التشكيلية وبما
يوائمها من تسميات او دلالات مناسبة او مستفزة . لقد تنصلت النفايات
والعاديات في اعمالهم عن مدلولاتها لصالح العمل التشكيلي من خلال ادماج
الواقع المهمل بالاستثناء الموهوم , في محاولة لنزع قدسية الأثر او
استثنائيته المبالغ فيها .

حضارة المال هي حضارتنا الحديثة . من وفرة مؤسساتها المالية اسست
جمعيات ثقافية داعمة . كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميريكية . فانشأت
دور عروض الاوبرا والفرق الموسيقية الكلاسيكية والشعبية وغيرها من الانشطة
الفنية , من اجل الأقتراب من الشارع ودمجه ثقافيا . وبموازات هذه الأجواء
تشكلت في الستينات جماعة البوب التشكيلية بمؤثرات رسوم الاعلانات وبهرجتها
اللونية وكانت بامتياز مدرسة تشكيلة أميريكية شمالية . لقد تشعبت مصادرها ,
مابين رسوم الكارتون بنكهتها المحلية ومشخصات اناس ذوي مهن متعددة وعلب
مشروبات ومنتجات غذائية وغيرها من رموز صناعية ومحلية . لقد تحول اللون من
صفته الوجدانية في الاعمال التشكيلية الغربية , الى مقاربات لمساحات اولمسات
الوان الاعلان , الملون والضوئي . ودخلت انابيب ( النيون ) الملونة كعنصر من
عناصر العمل , ولا تزال الى الان في اعمال احدث . في مسعى لارساء قاعدة
التشكيل الشعبية .
................................................
اعادت حقبة المعاصرة الحالية الاعتبار لفن الفوتوغراف , واحتلت اعماله
المهمة , على مستوى التقنية والدلالة , جدران اهم المتاحف وقاعات العرض
العالمية, بعد ان كان مغفلا الا في حدود ضيقة لا تتعدى الصور الشخصية
والصحافة والأعلان . لم تعد مشاريع الفوتو وحتى الصور الشعاعية ذات الاغراض
الطبية الان , تقليدية بما تدونه من ارشيف الحياة العلني والسري وبما تظمره
لقطات عدسة الكامرة واجهزتها المكملة , من حواريات وجدانية لا تقل اهمية عن
نظيراتها من اعمال التشكيل الاخرى . ثم توالت ولادات هذه العدسة بعد دخولها
عالم الفديو الغرائبي بما فجرته من سحر لا حدود له . مثلما اغنت اكتشافات
الاستعمالات المتعددة للمواد الاولية والجاهزة التشكيل , اضاف له عالم العدسة
وتقنياتها الرقمية وبرامج الفوتو شوب اضافات لا تخطر على عالمه التقليدي الذي
بات متحفيا في الكثير من تفاصيله.
لقد
فتحت علبة السحر الخارقة هذه وبتنا نتجول في عوالمها الوجدانية والعجائبية ,
الغرائبية . وبات تخيل عوالم الفضاء ومخلوقاته ميسورة لنا , مثلما هي خلجات
افئدتنا او ندوب جروحنا , وتحول الفنان التشكيلي من خلال ذلك الى مخرج افلام
وحاوي العاب ومدون صور كيفما يشتهيها . اخيرا اصبح التشكيلي شاملا تتنافذ
تقنياته وفروع ومكتشفات التشكيل بدون استثناء . لم يعد ينتظر وحيه , بل اصبح
يصنعه
.
...............................................................................................................
<
|