|
مدخل :
معرض سكسونيا الكبير , مثلا :
بعد انقطاع حوالي عشرة سنوات تم في هذا العام احياء تقليد هذا المعرض السنوي
, الذي يظم نماذج لأحدث نتاجات الفنانين التشكيليين لشرق المانيا . استضافت
المعرض الأخير هذا مدينة ( لايبزك ) بدلا من حاضنته التقليدية مدينة ( درسدن
مجموع صور الأعمال المثبتة في ( كتالوك ) المعرض ( 253 ) عملا تشكيليا
متنوعا , وهو عدد لا يستهان به بالرغم من عدم تغطيته لكل اعمال الفنانين
المشاركين , وبظمنها اعمال مهمة . مع ذلك تبقى هذه الصور تمثل الى حد ما
الأتجاهات التشكيلية المعاصرة لهذه المنطقة من العالم . من ضمن هذه الأعمال (
125 ) عملا حاورت مفردة الجسد العياني ( المشخص ) , بدأ من المباشرة ( وضوح
تفاصيل الجسد ) وحتى التماهي وجزئيات الطبيعة او البيئة احيانا . بمعنى ما ,
اصبح الجسد مشروعا قابلا للأختراق , للتفتيت , للتجميع , للتماهي وفنتازيا
الخيال . سواء كان مدونة ملونة , او فوتو , او مشروع فديو , او تجميعا , او
تفكيكا , , بما يناسب ذهنية ونوازع مبدع العمل . . المهم ان حوالي نصف
الأعمال المعروضة اشتغلت على تفعيل تفاصيل مفردة الجسد . وفي حالة ان تشكل
الطبيعة جسدا , وهي كذلك . او اية فكرة تشتغل على الشكل ( الفورم ) , هي
الاخرى جسدا . فان الجسد بهذا المعنى يكون هو الطاغي بلا منازع على مجمل
اعمال هذا العرض
احتفالية
الجسد هذه ليست اعتباطا في عالم اليوم الذي يفضل , او يقدس الملموس على حساب
المحسوس
هذا
اولا , وثانيا : لا يمكننا التجاوز على بيئة وتاريخ المنطقة(
الشرقية من المانيا) ولفترة ليست بعيدة , وهي جزء من تاريخ المانيا بشكل عام
. تاريخ حديث يقترب ظاهريا في تفاصيل عديدة من تاريخ العراق الحديث , حرب
مدمرة , ودولة مؤسسات مؤدلجة في فترة زمنية معينة ( مع الفارق الكبير , كون
المؤسسة الرسمية العراقية مؤسسة مافيا عائلية دموية وجاهلة . ) , اضافة لعمق
تاريخ منجز المانيا التشكيلي الحديث . المهم ان تاريخ الدمار ( الكوارث ) لم
يكن بعيدا عن نبض اعمال التشكيل , حاله حال بقية منتج الثقافة الأخرى . يبقى
الجسد محوريا في صياغات التعبير التشكيلي , طاغيا في معظم اعمال التشكيليين
الألمان , منحدرا من مصادره الأبعد ( الرومانسية والتعبيرية الاحدث منها ) .
في الوقت الذي يكاد يختفي في معظم نتاجات التشكيل العراقي الحاضر
.
تجاوزا لأشكالية الارث الثقافي لشعوب متنوعة , وتجاوزا لأشكالية النظم
السياسة المتنوعة , تجاوزا للتعميم واشكالياته . ما هو موقع التشكيل العراقي
من خارطة التشكيل العالمي , و (العالمية لم تعد مركزية ) . لا للبيئة وجود
مرموق ( ليس تسطيحا ) , ولا للمكان ( ليس افتراضيا فقط , كما ينظر له العديد
من التشكيليين العراقيين ) , ولا للجسد ( وهو مشغل واسع ) مكان وسط حشد اعمال
التشكيليين العراقيين
.
مثال :
من عروض متحف ( هامبوركر بانهوف ( 1 ) في يرلين لهذا العام , عمل (
فديو ) . مساحة عرضه ( الشاشة ) يشكلها جدار باكمله . العمل مجرد رأس انسان
منقلبا الى الاسفل يدور حول نفسه بحركة محورية تشعرك باستمرار بانطلاق لقطة
التصوير الأولى المكررة بعد كل اكتمال دورة وبفاصل زمني لا يكاد يدرك . ما
يشدك في هذا العرض هو الصوت المرافق له , أنة مخفوتة , او ربما كلمة مبتورة
عصية على النطق والأفصاح لا تخفي وجع ما مخبؤ بين ثناياها . جزء الجسد الحساس
هذا , المنفصل عن محيطة وحاضنه الأصلي يكاد يمسكك بتلابيبك , ينفذ الى دواخلك
, يرجك ويصعقك . لا تغادره بسهولة دون ان يوقض فيك شيئا ما , شيئا مخبوئا
تحسبه عصيا على الأنفلات . مصيدة الرأس هذه كما اجدها وربما كما ارادها
الفنان كشفا لنوازع القلق ( الأغتراب ) الأنساني , كعصاب مدمر , علينا
بالأنتباه , او اليقضة , من الحد من درجة اغتصابه لنا .
العمل الثاني : كصورة ايضا . مشروع ( فديو ) عرض في العام الماضي في
متحف مدينة ( بافالو ) من مقاطعة ( نيويورك ) . يمثل شجرة , او شجيرة مجردة
من اوراقها . الشجرة ( الكرافيك ) بجذعها واغصانها الرهيفة , المفرغة من
محيطها البيئي . هي الاخرى محكومة بحركتها المحورية الأفقية التي تنساب لحركة
محورية عمودية . هي محاولة من العرض للأحتفاء بكل تفصيل , وحتى ادقه من جسد
الشجرة هذا . استعراض هذا الجسد وبكل هذه الرهافة , يوقض لدينا نهم الأبصار ,
كتعويض عن العماء , او تشوش الرؤيا , من اجل الاستمتاع بتفاصيل المدركات
الحسية لجماليات مكونات الطبيعة , الشجرة مارست صطوتها علينا في هذا العرض ,
كمفردة متحفية , او كحافز لا يختلف في نواياه عن المثال الأول
.
العمل الثالث : من عروض متحف مدينة ( بافالو ) ايضا ولنفس الفترة. عمل
تركيبي مؤلف من اربعة فصوص ( ان صحت التسمية ) ملتحمة ببعضها , يمثل كل فص ,
او كتلة منها , مجسم عين كبيرة , اسفلها فم بحجمها . رغم ملامحها المتشابهة ,
الا ان كل عين من هذه الأربعة , وكل فم ايضا من هذه الاربعة يتحرك , ينفرج ,
يتبسم , يعبس , يغمز , يغمض . بما يناسب , او يوازي حديث او همسة كل فم (
مبثوث من خلال جهاز الأستماع الخاص بالعمل ) , وكل حديث مختلف عن الاخر
.
اختلاط الأشارات والملامح والاصوات من مصادرها المختزلة , مكمن الغرابة , او
الفنتازيا ,
في
هذا العمل الخرافي الاسر
الأمثلة
الثلاثة هذه , ماهي الى نماذج بسيطة للدلالة على الأمكانيات الهائلة التي
يوفرها الجسد كمحفز للأبداع التشكيلي . هي نماذج اخذت من كم الأبداع الهائل
الذي يحاور من خلاله التشكيلي المعاصرمفردة الجسد , للحد الذي اصبح الجسد
نفسه مشروعا للأبداع كماهي اعمال فن الجسد ( 2 ) او اداء الجسد ( 3 ) .
مع بعض التعميم , نستطيع ان نقول ( والحديث عن فضاء التشكيل ) ان هناك فضائين
:
(
1 ) - فضاء مغلق ( كما هوالحال في التجربة العراقية ) , فضاء الطلاسم ,
المنكفيئ على نفسه . ( 2 )- فضاء الوجود المفتوح ( بضمنه الجسد ) الذي يغيب
عن هذا المنجز .
الفضاء
المغلق ( الأول ) أسر التشكيليين العراقيين , وبات الان عائقا امامهم للنفاذ
لفضاء الوجود الأعظم.
فضاء الوجود : الجسد كهيكل ( فورم ) , والجسد كمقاطع , منها :
الكف , ومنه الاصابع . القدم , البطن , الصدر , الذراع , الرأس والرقية ,
الوجه , ومنه ,العين , الأنف , الأذن ... العظام , القلب
الجسد مكان : البيت , الشارع , العمارة , المنشأة , المدينة
ومرافقها ومنشأتها ومواصلات.
فضاء الطبيعة جسدا : الحقل , الشجرة , الورقة , المياه , بقية المخلوقات ,
مجمل النباتات , المسطحات الطبيعية ومحتوياتها الاخرى .
الفضاء الكوني وكائناته التي لا تعد , القابلة للأختراق التشكيلي ,
بوسائلة التقليدية وغير التقليدية , ومنها غرائبية العوالم الرقمية
تاريخ الجسد في التشكيل العراقي
:
لو تعدينا التجارب المسطحة الأولى , لعبد القادر الرسام ومجايليه الأوائل .
المحكومة بفترة النشوء الاولى للتشكيل العراقي الحاضر . ولو تعدينا فترة
التأسيس الحقيقية ( فائق وجواد ) ومحفزات ( محمود صبري ) التي لها صلة مباشرة
بفترة سياسية حرجة ( التحرر الوطني ) , والتي عالجها من خلال تأثره العميق
بالتعبيرية الألمانية . تستوقفنا تجربتين منفصلتين مكانيا ومتوازيتين زمانيا
. تجربة ( كاظم حيدر ) الداخل . وتجربة ( ارداش كاكافيان ) الخارج . حيدر
تحتفي اجساده بديكورية باتت اكثر وضوحا كلما مر به الزمن . كاكافيان استطاع
ان يحافظ على توازن اهتماماته الجسدية الأولى نفسها مع اتساع مشهدية المكان
الأول وتفاصيله المعمارية . مع ذلك لم تفقد اعمالهم بشكل من الأشكال
انتمائاتها الحداثوية . هناك نماذج لا يسعنا اغفالها لتشكيلين عراقيين اخرين
. نماذج متفرقة , لكنها دالة . من هؤلاء التشكيليين , يحيى الشيخ , فائق حسين
, علي طالب . ولست بصدد جرد الأعمال او الفنانين , بقدر الاشارة الى النماذج
. احصيت هنا خمسة اسماء اعتقد ان لهم نصيب وافر في اشاعة ذائقة التشكيل
الجسدي , التي لم تتوفر لها امكانية التفاعل وعموم التشكيل العراقي . من خلال
تعطيل غريب بعضه مبرمج , وبعضه ساذج , هو نتيجة منطقية لتعطل محفزات ثقافية
شاملة . فلو راجعنا ما طرحته من اسماء تشكيلية هنا , لوجدنا ان معظم هذه
الأسماء لفنانين مهاجرين . هجرة كهذه حجبت تجاربهم , مثلما بعثرتها الهجرة
نفسها . كما جرت محاولات جادة في داخل العراق لتهميشهم بنوازع سياسية معروفة
.
رغم
ان معظم هذه التجارب ( الجسدية ) افتقدت عنصر الأدهاش الفنتازي . العنصر
المنفلت من اسار كوارث الواقع المرير الذي مر به العراق , الذي لم يسخر حتى
للتعبير عن الواقع الكارثي ( اللاواقعي ) هذا الا ماندر . الا ان انكسار
التشكيل العراقي بمرور فترة السبعينات صعدا للذروة طوال التسعينات وحتى الان
, تغافل عن اثارة محفزات ( الجسد ) , لصالح فضائه المغلق ( لعبة الالغازه
الكاليغرافية ) و بمؤثرات مصادر عالمية تجاوزتها فترتنا الحالية . سواء
انجازا تشكيليا او ما يرافقه من تنظير ملتبس ( مابين تنظيرات كاندنسكي وكلي
وشاكر حسن ونصوص ابن العربي ومنجز تابيس ) . أثريا , يمتد زمن طويل بين ابن
العربي وكاندنسكي مع اختلاف مقاصد وسائلهم التعبيرية. اعمال منجزة بمواصفات
كهذه ( افضلها ) تحاول ملاحقة هذا الأثر ( التماهي ) وفي حصيلتها النهائية لا
تنتج سوى اثر ميت في مقاييس زمننا الحاضر . ما يشهد على ذلك كم الأعمال
المنجزة بالمواصفات نفسها حتى الأبتذال احيانا . كم متداخل متشابه , يخرج
يوميا من ورشة واحدة بدهانها وحزوزها وطلاسمها .
العديد من اعمال الجسد التي اشتغل عليها التشكيليين العراقين الذين ذكرتهم ,
لم تكتمل شروط انجازها لأسباب شتى , من هذه الاسباب تشتت محل اقامة العديد
منهم واعاقة تواصلهم بمنجزم بما يمنحهم الفرصة او الأسترخاء الضروي للمضي في
التجربه ومواصلة الأستكشاف , فجائت شذرات متناثرة , ان لم تضع وتختفي في
غياهب النسيان , بشكل خاص لأفتقادنا المتحف والأرشفة ووسائل التدوين الاخرى .
امور كهذه تسببيت في , اولا : فقدان ثقة الفنان في انجازه الجسدي هذا , ثانيا
: محاولاته للتمرد على تفاصيل عمله ذاته , باقحامه مؤثرات تعويضية اخرى كنوع
من تصريف لطاقته المحتبسة . ما يساعده على ذلك خلو العراق ( يصلح كنموذج
لبقية البلدان العربية ) من تراث التشكيل الجسدي للعصور السابقة , اذا
تجاوزنا بعض من التوريق المخطوطاتي الأثري النادر اصلا . لذلك جائت اعمال
التشكيليين العراقيين بشكل عام تناور من بعيد او قريب , ولا تجرأ على ولوج
هذا العالم الشاسع . ومنعا من الألتباس و انا هنا لا اقصد الأعمال التي تقبع
خلف واجهات اكاديمية ( كما سميت ) ذات قربى بأعمال ( فائق حسن ) مثلا
المحكومة باسلوبية لا تفصح الا عن ضربة فرشاتها ووصفتها الجاهزة
.
طغيان الأقتباس الأثري والفولكلوري في نتاج فناني الداخل , وحتى في نتاج بعض
فناني الخارج ( نيستولوجيا ) ليس بما يناسب عمق الأثر والفولكلور , وليس بما
يفعل خصائصه الشكلية والوجدانية , او بصياغاته بما يناسب سعة الأدراك المعاصر
لروح العصر . وعيوب التأثر ذي الصبغة التي تكاد تكون احادية , بنتاج فنان
غربي ما مع عدم هضم النتاج الأشمل ( الوعاء الواسع لمنتج الثقافة التشكيلية
العالمية بمختلف مصادرها ) , الذي هو ليس حكرا على احد . واختفاء البحث
التشكيلي البيئي ( ليس كما ينتج كمخطوطات ميتة ) . كل ذلك خلق سوقا تسويقيا (
تزيينيا ) معيقا لنمو هذا المنجز الثقافي . . رجوعا لأعمال معرض ( سكسونيا
الكبير ) والتي اشتركت في انجازه العديد من المدن الالمانية كما نوهت . نعثر
ضمن هذا النتاج على ملاحضة مهمة تكمن في اختلاف التقنيات بما يوائم الثقافة
البيئية المحدودة ( بيئة مدنية باثة لمكوناتها الأبرز ) . تقنيات العديد من
اعمال فناني مدينة ( درسدن ) كالفوتو والتجميع وعناصر تجريدية بارزة ,
تنم عن وسط بيئي تلعب الصناعة دورا كبيرا في نتاجه , كما هو بالنسبة لمدن
المانية اخرى , ورغم ماحصل من تغييرات دراماتيكية بعد التوحيد , لكن (
درسدن ) كمدينة ذات ارث ثقافي ( متحفي ) كبير , كانت الابرز في اختلافها
النسبي ( بحدود معينة ) عن نتاج فناني لايبرزك وغيرها من المدن الاخرى .
الأختلاف النسبي التعبيري والادائي هذا بين مدينة واخرى , ولو بنسبة معينة ,
ينبهنا الى الخلل الفادح في منتج التشكيل العراقي بتناسلاته العبثية
المتشابهة حد التطابق في الكثير من الأعمال , التي غفلت عن التغلغل عميقا في
مكونات البيئية . البيئة السوية والكارثية في ان معا . فلا الجسد بات فاعلا ,
ولا البيئة كجسد متعاظم فاعلا هي الأخرى . هي دعوة , تبعتها اغراءات غريبة ,
منذ السبعينات , لتأسيس خصوصية تشكيلية عراقية ( على نطاق ضيق ) وعربية ( على
نطاق اوسع ) . هذه الدعوة اجدها قاصرة ومدمرة , لسبب بسيط , يكمن في عدم
اكتمال مشروع التشكيل العراقي , بما يوازي ولو لدرجة معينة المشروع التشكيلي
العالمي ويوفر المناخ الملائم للتجريب بنوازع كهذه , بما ان التشكيل بالأساس
ثقافة عالمية مشاعة , رغم تعدد مصادرها لم تكن هذه الدعوة منطقية
لنزوعها الاحادي التدميري لمشروع الجسد الشامل الذي حاورنا بعض تفاصيله
.
.............................................................................................................
IM Hamburger Bahnhof
1-1
Body art - 2
Performanc
art – 3
………………………………………………………
<
|