|
خشونة , قسوة ما , تحكم نتاج هذا الفنان الذي اندرجت احلامه ( ان لم تكن
خيالاته ) تحت ضغط الوعي الفائق لمساس صلابة الاشياء ( عوالمها الظاهرة ) .
وما اختياره لمختبر مواده الأولية التي ينفذ فيها العديد من اعماله , بعد
صياغتها او تصنعيها بما يوائم اغراضه التعبيرية , الا نوعا من ولع في التنقيب
لفك طلاسم مكوناتها الصلبة بما يوازي مكونات صلابة مفرداته التعبيرية. ولعه
هذا بعناصر المواد ( سواء احباره او مواده الأولية الملونة او ما توفره بيئة
الغابة ),
ولع ( الأحتطاب ) لديه , ربما تشكل في لا وعيه منذ بدايته الاسلوبية الاولى
،صلابة خطوطه وتقشفها واشكالها المظمرة لازمته على امتداد زمن منجزه.
عمار , يتعامل مع
عمله بمختبرية متقدمة على هواجسه الذاتية . فهو دوما مشدودا لهاجس الاكتشاف
حتى ولو اشتغل على تفكيك بعض من مفردات الموروث المولع به . وهو في هذا
الأشتغال بالذات يحاول استعارة عين هي ليست له , وفي زمن غير زمنها . هذا
الأرباك , ربما هو بعض من قلق تجربته . ثنائية بحثه في منطقتين غير متالفتين
. لغة الشفرة الروحية الأثرية , ولغة الغابة او الطبيعة الصلدة والسرية في ان
معا . خلقت لديه هذا التداخل الغريب الذي ميز اسلوبيته بتفاصيل مفرداتها التي
تحاول الكشف عن الضوء ( الروح ) والظلمة ( الغابة ) . ما انقذ هذا التشتت
المحتمل هو اعتماده اسلوبية تقليلية ( مينامست ) تختصر الكثير من التفاصيل
الثانوية من اجل الاعلاء عن جوهر مظمون عمله المظمر
.

عمار , ايضا , مولع بالمساحة , سواء سطح الماء او التربة او السكن او صفحة
كتاب . ما يندرج فوق هذه المساحة , محدد ذهنيا مسبقا باشتراطاته المعرفية (
فيزيائية المادة ) واثرها الميتافيزيقي الخفي . ذهنية كهذه تسعى للتوفيق ما
بين عنصريين معرفيين متقابلين . ان لم تكونا على النقيض ( او نقيض النقيض ,
كما تحاول اثباته بعض الدراسات الفلسفية المعاصرة ) . ما ينتج منها يخضع
للفحص في حدود استيعاب هكذا شروط . . ما ينتج من تفتيت التربة , هو التراب
ذاته , او دكنته . وما ينتج من فحص الفضاء في احيان كثيرة , هو عتمته . ولم
يكن الزورق يوما ما , سوى محيط خطوطه الكفافية . . الورقة النسخة ( الصفحة )
, هي صفحة الدار , واجهته . هي خطوط كفافية ايضا مقاسة ضمن وظيفتها . وما
تؤدية خطوط ومساحات , او مقاسات , اعمال عمار سلمان , هي الوظيفة ذاتها ..
سكن مفترض , بيئة مفترضة . مساحاتها هذه اوبعض من
(
كتله النحتية التجميعية ) تعدت مقاساتها الى نوع من علاقات ( تخاطرية ) تتعدى
حدود ظواهرها الى مخبوئاتها , في زمن اصبح الحلم حد الاستحالة , تحت ضغوط
العديد من عوامل الأستلاب الذاتية والعامة الأفتك
.

لو خضعنا اعمال الفنان للفحص بحدود استلهاماتها البيئية , والبيئة مكون
ارأس من مكونات الذات الخفية . لوجدنا ان هذه الأعمال لا تختلف في مظهرها عن
الكثير من منتج التشكيل الأوربي الشمالي ( منطقة سكناه ( 1 ) . تقشفها اللوني
والمعتم في الكثير من تفاصيله . شبكة خطوط مخطوطاته ومسحاتها اللونية
المتداخلة ونسيجها , موازية لشبكة خطوط الغابة الشمالية ورطوبة اجوائها .
مثلما هو لم يكن بعيدا عن استلهام ممارسات انسان الغابة بأية حال , بالذات (
ولعه بصندوق اشياءه المقفل ) . من هذا الصندوق خرجت معظم اعمال ( عمار )
التشكيلية التجميعية , بموازات صندوق ذاكرته السحري . هذه الأعمال لا تخضع
للتفسير بعيدا عن ادرك محركات ذاكرته المغلقة على دائرة لا تتسع الا على ماض
مستعاد بشروط الحاضر الحداثوي . وبيئة تتلبسها قساوة او ضراوة تضاريسها
. وصرامة جهمة هي نتاج فضاء غربة يضيق باستمرار
.

يستعيد ( عمار ) الماضي من خلال( تمائمه ) . والتميمة كون مغلق على
اسراره . اعماله التجميعية ( التمائم ) , دائما ما تتدثر بغلافها , سواء
تمثال انسان مصغر او صندوق او قماش او علبة ما . سر التميمة ( النص ) يمارس
تاثيره ( سحره ) الخاص , بما تمنحه قشرة غلافه من غموض ( استحالة قراءة النص
المقدس دوما , او الأحتفاظ بسريته ) . رغم عبثية التنقيب في اسرار كهذه بعض
الشيئ , الا ان ماتخلفه يبقى السحر عينه ويحافظ بحدود ما على اغراءات الكشف .
وما نكتشفه في هكذا اعمال هو الصخب بعينه . صخب الخارج مثلما هو صخب الداخل .
مع كل ذلك تبقى هذه الاعمال اقل وطأة ( عدوانية او صخبا ) من العديد من
اعماله التخطيطية بالذات . وميزة العمل التخطيطي هو التساقه بالذات ,
لمباشرته او تلقائية زمن اداءه . تتصارع على صفحة تخطيطاته رموزا غير بريئة
اطلاقا ( العقرب , التمساح او ماشابه من تشكيل جارح اخر حتى لو كان ادميا )
وتتشابك وشراسة خطوطه وتشكيلاتها الحادة
.
اخيرا وكما يبدو اختار الفنان الأقامة في حقل الغام متصور بحجم كارثة وشيكة ,
ان لم يكن هو الكارثة . يهادنها احيانا , وتخترقه احيان اخرى. وما يشفع لنا
في التجوال عبر غابته هذه , هو مقدار ادراكنا لمقدرة هذا الفنان على المراوغة
في خلق فتنة كشف اسرار عمله , كشف موازي لفتنة براعته الأسلوبية , الغير
بعيدة عن زمن التجربة نفسها ومحيطها الأبداعي
.
...............................................................................................................
Vδstervik Sweden ( 1
)
|