|
من خلال تنقلاتها المستمرة بين بغداد- وعواصم
عربية وعالمية عديدة
, بستان عائلتهاومحترفها - , كانت خلال كل ذلك تتزود بمعرفة تقنية آنا وآنا
آخر تتفرغ لتنفيذ اعمالها . خلال كل تلك الحقب , استطاعت ان تنمي معارفها
بشكل عمودي – حرفة الخزف – وبشكل افقي – ثقافة محيطية – بالوقت الذي كانت فيه
تتمتع بهيئة رقيقة ومسلك متزن .
اعمالها الخزفية بشكل عام تحيلنا لمنطقة –
الفن التشكيلي النسوي - , بما يحيط هذا المصطلح من التباس , لكنه يحتفقظ
بجدارته في التشكيل العراقي . هذا المصطلح المقارب بعض الشئ لمصطلح – الأدب
النسوي – مع فروقات في العدة والمنطلقات والأهداف . ما يشير اليه في اعمال –
نها – هو نسيج سطوح اعمالها وزخارفه او تحلياته , كذلك اطياف ملونتها البهيجة
المتجانسة , بمصادرها الفولكلورية المدنية , بالوقت نفسه تبدو قيه اشكال
أعمالها قريبة بعض الشئ من نمطية اعمال الأنتيك ومحتويات دكاكينه . الا انها
لا تمت لأبتذالها بشئ , بل مجرد مواصفات او تشبيهات عامة , مع ذلك تبقى تحمل
تفردها بما تكتنزه من مقدرة واضخة على تفسير الموروث المحلي , ولا تفقد شروط
تقييمها كأعمال فنية تأخذ حيزها ضمن انجاز الخزف العراقي
.
كانت
الفنانة –
نهى
الراضي – تتقن حرفتها وتتلاعب بتلاوين نتاجها , وما انتجته من اعمال خزفية
يتقاطع ومنتج خزفية عراقية اخرى، هي – سهام السعودي - .بالوقت الذي كانت
اعمال – نها – تزهو بخفتها وتعدد تلاوين زجاجها . كانت اعمال – سهام – تنوء
بثقل كتلها وتقولب مفرداتها الموظفة اصلا لجدران الإنشاءات المعمارية التي لم
تستطع في معظم محاولاتها كسر رتابتها المحدودة , كذلك اقتصار مصادرها على
الموروث الأثري الديني – تزجيج القباب – وسيادة التركواز . وهو حال درج عليه
معظم خزافينا
.
من
خلال رصدي لتجربة –
نهى
الراضي – وبما تيسر لي من مشاهدات متفرقة لأعملها , وعلى مدى زمن ليس بالقصير
, وحتى حرب الخليج . لم اتوقع خلاله ان يحدث شئ يعكر سلاسة وصفاء نتاجها ,
ولم اتوقع ايضا ان تتصدع في يوم من الأيام دواخلها المتطامنة , وان تفاجئنا
بتحول غير متوقع في نتاجها . حرب الخليج وحدها بصدمتها الرهيبة من حقق ذلك .
لقد بحثت بعد هذا الزمن عن معادل تعبيري لهذا الرعب والدمار الشامل . كانت
حصيلة ايام القصف الأربعين خرابا وتلوثا عاما . وبدى العراق لحظة انتهاء
العمليلت العسكرية مقبرة للاحياء , اظافة لدمار البنية التحتية وما صاحبها من
احالة الى عصور ما قبل الحضارة . ولم تسلم حتى الصحراء , لقد افترشتها اشلاء
ادمية توسدت مقابر الاسلحة الخفيفة والثقيلة , المثقبة والمهترئة . و السماء
سحابة سموم خلفتها اسلحة دمار الحلفاء , لم يكن الزمن زمنا , ولا المكان
مكانا . كان خرابا رقميا لم تعهده البشرية من قبل . الة صماء تدحرجت من جنوب
العراق حتى شماله . كان الوقت يمر دخانا اسود وصواعق من حديد ترج الأبدان . و
كانت النفوس اللائبة تحتمي بما تبقى من شضايا ذواتها ... في هذا الجو المشحون
رعبا , بدأت- نها- تدون ايامها , او لحضاتها المعاشة . مدونات تؤرخ لللأنهيار
الكبيرالزاحف بعناد وتتنبأ بما سيكون لاحقا
.
ايام الرعب التقطثها من عاديات الحياة
التي استطاعت الأمساك ببعضها عبر حطام وتفتت المألوف , وعبر صدمة الدمار
المتساقط على بغداد والعراق من سماء رصاصية او نحاسية . لم تكن هذه المذكرات
الا تمهيدا لعمل ابداعي
.
ان كان النحت العراقي المعاصر – والمعاصرة
مجازا – مكتفي ومنكفئ على ذاته بحدود الجسد – الرجل – المرأة – الثور –
الحصان – وما يسبغ على هيئاتها من صياغات هي الاخرى محسوبة ومكررة ولا تخلو
من استاذية وشطارة . فانه بالوقت نفسه بقي غافلا عما يصيب هذه الهيئات
التشخيصية من تصدع وازاحة , او احالة لمفهومية جديدة . سواء بتوظيف مواد
جديدة , او بصياغات مبتكرة . والأنتباه لما حدث من انفراط لعقد الأسلوبية
تحت ضغط وسائل الأعلام – الميديا – العابرة للقارات , وهيمنة الثقافة
العالمية , او المعولمة ’ بما اتاحته من وسائل الإتصال الخارقة ومن سيولة
المعلومة وشموليتها , عالم اليوم تشكل جزئياته برامجيات خارقة تغطي مساحة
الأقتصاد والعلم والثقافة , وكل شئ يخطر على البال . وتدلنا احيانا على عوالم
فانتازية اغرب من الخيال .. ازاء هكذا عالم صغير ومدهش , ماذا تفعل – نها –
لتحيل صدمة حرب الخليح الى عمل يوازيها , وكل المخلوقات النحتية العراقبة لا
تفي حقه , بل لا تستطيع ان تدل عليه بأي شكل من الأشكال . اذا .. عليها ان
تجد مخرجا
.

ان كانت الكتابة غطت عالم الوقائع وتداعيات
المحيط – 1 - . من يدل على بئر الألم .. ما دامت الحرب مقبرة الحياة والحضارة
, فلتبحث عن مقبرة مجازية , او افتراضية . ووجدت ضالتها في مقبرة حطام الالات
و السيارات – السكراب
- .
دارة
الفنون في عمان , بناية اثرية تتكون من عدة طبقات متدرجة . تصلح كفضاء عرض
تشكيلي تقليدي , كما تصلح لعرض الخراب وسط فضائها المنحوت المتدرج . في هذا
الفضاء نثرت –نهى – اجزاء عملها , كأحشاء للموت . او كأخطبوط مهشم موصولة
اجزائه بأنابيب هرئة . او كقنابر متفجرات , او جماجم معدنية خاوية , او نثارا
من عث الحرب المعدني
.
عمل كهذا بوسع حجمه وتعدد وحداته , وغرابتها , ان يصلح كعرض لأكثر من فضاء ,
سواء داخلي او خارجي . ولا يخفي في نفس الوقت دلالاته . بالوقت نفسه يؤرخ
لكشف جديد في مجال النحت او التشكيل العراقي . ويبقىالاقرب الى معاصرتنا من
كم البرونز القابع في عروض ومشاغل ومساحات مدن العراق , تماثيل وشواخص .
النادر منها صنع مجده البيئي والزمني , وعلى التشكيل العراقي ان يبحث لما
يصلح لأوقاتنا الجديدة , بما يوازي لوعتنا , او بما يشير الى تجاوزها
.
ان كان عمل -
نهىالراضي – تعبيرا عن زمن الوجع العراقي الفاجعي المهدور ابان حرب الخليج .
امامنا الان اكداس من حطام حقيقي معفر بدماء اناسنا , يفترش مساحة العراق
اطنانا من حطام السيارات المفجرة والعبوات الملغومة والأطلاقات الغادرة
.
وان كانت - مخلوقات الدمار الشامل – 2 – اشارة
او حدسا تنبوئيا لما تخبئه السنوات القادمة من دمار اعظم , فقد صدقت النبوئه
.
يبقى ان نتفحص بروية هذا العمل , من اجل ان نستدل على فاعليته الأدائية
والتعبيرية ..
1- في هدا العمل تم الأعلاء من شأن الهامش
, وقرائته قراءة جديدة منطلقة من تفعيل خباياه المكتضة اعتراضا وصخبا دفينا .
بينما كان سابقا نقيضا للمتعارف , او المعلى من شأنه . ان لم يبقى نفاية
اعمالنا القصية
.
2- لم تكن طريقة
عرضه نسقا متعارف عليه . بل كان عبثا وسط مكان مهيأ له .
3- كان ايضا قراءة
تفكيكية لدلالة الحرب التدميرية .
4- المادة الأولية المستعملة في العمل , هي
التي اشتغلته , وليس العكس كما هي الأعمال التشكيلية التقليدية
.
5- اخيرا , فالعمل
بهيئته العامة, ابتكر الخيالي والخارق والمدهش .
.......................................................................................................
*
توفيت الفنانة –
نهى
الراضي – في – 2004-08-
31
1- كتبت مذكراتها عن ايام خرب الخليج ,
واشتهرت بها عالميا تحت عنوان – يوميات بغدادية- .
2- مخلوق الدمار الشامل , هو عمنوان عملها
الذي عرضته في دارة الفنون – عمان – في عام 1997 .
...........................................................................................................
نهى
الراضي:
مواليد بغداد 1941.
1961 1963 تدربت في مدرسة بايماشف للرسم، لندن.
1971 1975 درست في الجامعة الأميركية في بيروت.
قامت بأعمال جدارية لمبانٍ حكومية ولقطاع خاص.
أقامت معارض عدة فردية في بغداد وخارجها.
شاركت في معارض جماعية.
مارست التعليم في الجامعة اللبنانية الأميركية.
وضعت كتاب "يوميات بغدادية" بين عامي 1991 و 2000 بالإنكليزية،
وترجم إلى لغات عدة إضافة إلى العربية.
وضعت سينوغرافيا لأعمال مسرحية عدة منها "3 نسوان طوال" للمخرجة نضال الأشقر
|