|
يتجه
التشكيل الان الى محو البصمة الشخصية لمبدع العمل . امر كهذا يتطلب شروطا
جديدة تختلف عن سابقتها . من هذه الشروط النزوع لاقصاء بعض المورواثات ,
كالأيديولوجيا بشكل عام و العديد من تفاصيل الموروث الثقافي ( تقاليد الصنعة
الفنية تحديدا ), من خلال تبني فلسفة ( ظاهراتية ) تكرس او تفسر بعض ظواهر
الطبيعة ومنها الفضاء والضوء . كما هو المشروع الأخير للفنان الدانمركي (
اولافور الياسون ) في قاعة العرض لمدينة مالمو السويدية (
2
) .
الضوء والعتمة في الطبيعة مصدرها اشعة الشمس , يتحكم في شدتها الزمن ( محسوبا
بسرعة دوران الارض وميلانها المحوري ) . ما يحاوله الفنان ( اولافور ) هنا هو
محاولة خلق زمن استاتيكي ثابت للضوء , خلق شدة ( تشبع ) مطلقة احادية اللون .
لا تبتعد عن شدة الضوء الطبيعي ( الطبيعة ) ولا تقترب الا بقدر ما يخدم
مقاصده الأفتراضية الظاهراتية من خلال افتراضه لثيمته التي انجز اخراجها بدأ
في مختبره بواسطة هيكلة ذات ( مظهرية او هيئة ( 3 ) يصنعها ثم يجري عليها
اختباراته الفضائية الضوئية في ان معا . ثيماته الهيكلية هذه تشتغل دوما على
المكان محسوبا بفضائه , سواء مكان داخلي ( غرفة او صالة متحف , او فضاء مكان
خارجي ( الطبيعة وانشاءاتها
.
(

تجربته
هنا هل بامكاننا ان نطلق عليها فنا تكنولوجيا . بما ان التقنية لدى الفنان
تشكل الجزء المهم من تجربته . مواده المستعملة ( السطوح المعتمة والشفافة ) ,
ودور الأضاءة , سواء ( المشبعة او المنعكسة ) , وموجات اطيافها الملونة بحذر
. ثم تجزئة فضاء مساحات العرض الموظفة لمشاريعه بدلالات توليد اشكال اجتياحية
( 4 ) تغمر المشهد والمشاهد في ان واحد . فضاءاته المصنعة بهاجس عزلتها تظمر
دعوة لسبر مكنوناتها ( المشاهد وسطها ليس شاهدا بقدر كونه محتويا او مغمورا
من قبلها ) . وهي ك (نحت نموذجي ( 5 ) تكرس الفضاء , تدعوك مرة لوقفة استرخاء
سكونية من اجل امتصاص مؤثراتها الضوئية بمهل حد التشبع ( الفيض ) , ثانيا
بالسير ( الحركة ) انطلاقا من نقطة افتراض هذا السكون حتى جوانب المكان , او
السير بتمهل وحافات العرض . . اغراءات كهذه يقودك اليها اولا ملمس الأرضية
الخشبية المطلية بدهان ابيض شفاف ( طبقة دهان خفيفة ) . الطلاء هذا لايلغي
فيزيائية الأرضية الخشبية بشكل كامل , لكنه يحيلها الى ملمس هش يغري باللمس
والاختراق ويظمر اغراءات غريبة للنزوع للحركة والتجوال , اغراء يتزامن
واغراءات الفضاء المكملة الأخرى
.
لنرى
كيف صنع الفنان مشروعه بما يناسب فضاءات هذه القاعة . اولا القاعة بشكلها
العام مستطيلة واسعة ينفتح احد جوانبها بزجاجه الشفاف على الفضاء الخارجي .
قسم الفنان هذا الفضاء الى جزئين , اقتطع في خلفية القاعة مستطيلا يرتفع حتى
سقفها , مكون من قاطع قماشي وبممر يؤدي اليها وفتحة تمثل المدخل , وطلا
الجدراد الخلفي والسقف بلون اصفر باهت , ثم ثبت في السقف عددا كبيرا ومتوازيا
من مصابيح ( النيون ) صفراء اللون . بذلك عزل هذا الجزء عن بقية العرض وبما
غمرها به من الضوء الاصفر. جزء القاعة ( الفضاء ) الأعظم , اقتطع من جزء سقفه
الوسطي مساحة مستطيلة ( سقف ثانوي من قماش بمساحتين متساويتين وبملمسين
مختلفين , المساحة الأولى بلون ازرق فاقع وملمس ساطع والثانية ابيض كامد)
تتعدى مساحة نصفه . ثم عمل قنوات عرضية خشبية متوازية ايضا , وعلى امتدا بقية
فراغ سقف القاعة . ثبت في جوف هذه القنوات مصابيح ( نيون ) بيضاء , وغلف
جوانب المكان بقماش ابيض غير عاكس للضوء . وعلى ما يبدو فان الفنان درس جيدا
مشروع الأضاءة بما يخدم مقاصده من مجمل العرض . ثم ساد الضوء اللون الابيض
القاعة كلها , وغمر المكان بضوء اثيري هو اقرب الى لون الغسق
.

يحاول ( ازلافور ) في عرضه هذا كسر التعارض ما بين ثقافة الطبيعة
وثقافة المدينة . سكونية الأولى , وفوضى الثانية . الأبيض او الضوء الأبيض في
الثقافة الشمالية ( النوردية ) هو رمز للموات , او الموت . بمعنى ما هو
السكون . والاصفر الشمس او حرارتها ( الحياة ) . كلاهما ينتمي للطبيعة وليس
للمدينة ( الغرفة اقتطاعا او السوبر ماركت ووسائل المرور وبقية منشاتها )
. ما حاوله ( اولافور ) هو اقتطاع جزء من فضاء المدينة ( قاعة المتحف )
والعمل على اخضاعها لسطوة تراث الطبيعة ( الضوء والسكون ) . فبمجرد ان تدخل
فضاء عرضه , حتى تجد نفسك منفصلا تماما عن مؤثرات الخارج , المدني . متوحدا
وعزلة فضاء مبيض اثيري يحتويك حتى الأعماق . وبانتقالتك الى الفضاء الأصفر
المعارض والذي يقودك اليه الممر باغواءات فتحة مدخله التي تشع ازرقا محمرا (
اختلاط اطياف الفضاء الداخلي المصفرة وبقايا الأطياف البيضاء المتخلفة من
بقية فضاء القاعة الكبيرة ) . تعيد توازن حواسك المخدرة او دفأها المفقود .
هل يصنع الفنان مشهدية (6) مقاربة لمشهدية العرض سواء مسرحا اوغيره . لا
اعتقد ذلك , فمشهدية العرض مفصولة بحاجز خشبته ( اغترابه ) . بالوقت الذي
يكون فيه مشروعه مقتنعا ومقنعا بهيكليته ( فورماته ) المصنعة بنوايا
اختباراته ودلالاتها المضمنة . وما المشاهد الا جزأ فاعلا او متمما للعرض في
حدود احتواء او تشبع حواسه بفضاء اجتياحي . وما هو ضمن هذه الرؤية الا جزأ
مندمجا والفضاء نفسه . فضاءات كهذه تحيلني لمقاربات بفضاءات اخرى . فضاء نصب
الشهيد في بغداد , للفنان اسماعيل الترك , لا يبتعد عن فضاء هذا المشروع الا
في حدود نواياه او نوازعه الثقافية الدينية . انعكاسات اطياف ( الأبيض ) من
سقف القبة المشطورة الداخلي واطياف الأبيض المنبعثة من المساحة الأرضية
المرمرية الوااسعة الناصعة البياض . تشبع البياض المفرط هذا لا يختلف بشكل ما
عن دلالت العرض هنا , بما يثيره من توحد وطيف الضوء نفسه , بالرغم من ان
مشروع ( الترك ) استغل الفضاء الخارجي مجالا لبث مكنونات عمله على الضد من
مشروع ( اولافور ) الداخلي
.
.

اهتمامات الفنان المبكرة بالفوتوغراف الأحادي ( المونو ) الأبيض والأسود ,
اوصلته لنتائجه المهمة هذه . فأعماله كلها تنحو الى التقليلية ( 7 ) , سواء
اشتغل على سطوح خاماته الأحادية اللون او تراكيبه التي لا تبتعد عن اسلبة
الضوء ومؤثراته . الطقس الاحادي او المضبب لمنطقة الشمال ( الأحادي اللون
بنسبية ما ) لعب دورا مهما في تشكيل رؤيته ومنهجية تفكيره . والامر الذي لا
يثير الدهشة في بعض اعماله التي يكرس الضوؤ او اللون الاصفر فيها , كمصدر دفأ
. كون شعوب الشمال كلها ترنو للضوء مرادفا لأشعة الشمس التي يفتقدونها معظم
فصول السنة . اشعة الحياة الشحيحية هذه تحفر عميقا في نفوسهم . عزلة كهذه
بحاجة الى مثيرات , او مهيجات , تبعث الدفء في النفس . اعمال الفنان (
اولافور ) بما تحمله من ثنائية الحياة والموات , تبقى حيوية ضمن صراع الأضداد
هذا , ولا تنكفيئ على عزلتها ابدا
..............................................................................................
Olafur Eliasson -1
Malmφ Konsthall -2
Performativ
aspect
-3
Invasiv
-4
Typical Sculpture
-5
Scen -6
Minimalism-7
.
<
|