|
قبل عدة سنوات لفت انتباهي كراس صغير موضوع في كيس المجلات الملصق بخلفية
كرسي القطار الذي كنت اقله الى كوبنهاكن . الكراس اذا معروض للفرجة او التصفح
لتسلية المسافر . شكل الكراس الذي لا يتجاوز طوله خمسة عشر سنتمترا , غريب
بعض الشئ . ربما تخاله للحظة محفظة او دفتر مذكرات شخصية ذو خصوصية ما . دفتر
المذكرات هو الأقرب للتصور رغم خدعة الغلاف الرصاصي الذي يشير الى كونه محفظة
. المذكرة هي الأخرى محفظة حميمية المغزى . وفعلا كان الكراس دفتر مذكرات
عادي . مواعيد وعناوين وخربشات لتزجية الوقت , شطب ومسح , صور لهوية شخصية او
جواز سفر . محاولات رسم خرائط او تمارين رياضية , مشروع رسالة عاطفية او
تدوين لبعض من الأحباطات ... الخ .
لست ادري ماهو مغزى اشاعة الخصوصية هذه , لكنه بالتأكيد منهج ما بعد
الحداثة .
الدفتر ايضا ربما يكون مشروع كتلوك لمعرض تشكيلي او لمعرض صناعي او خطاطة لأي
شئ يخطر على البال . وبما انه في حالات عديدة غير مكتمل للعرض اوالتداول .
فانه يحضى بخصوصية ( سرية ) ما تميزه عن المطبوعات او الأعمال المقاربة
الأخرى . لكن يبقى لكل مشروع ذهني شروط اخراج خاصة بلحضة تنفيذه , وهذا ما
يدل عليه كم الدفاتر المنتجة من قبل التشكيليين العراقيين , سواء داخل العراق
او خارجه .

العودة للمنابع ( الأصول ) احدى نقاط الأرق التشكيلي العراقي . الأصول في زمن
عالمي يتجاوزها باستمرار , بعد ان لعب على محمولاتها لحد الأنهاك وباتت لا
تساير أزمنته بشكل من الأشكال. وبما ان التشكيل العراقي حاله حال التشكيل
العربي حديث عهد نسبيا بمدارس ومسالك التشكيل الغربية , سواء طرق التنفيذ
وتفكيك موادها الأولية , او الأساليب والأفكار والمبتكرات ... الا انه التفت
الى التراكم الكتابي ( المخطوطاتي ) الذي ميز ارثنا المحفوظ , وكانت محاولة
من بعض تشكيليينا للعب على هكذا محمول منذ حوالي ثلاثة عقود او اكثر ( فيما
يخص التجربة الدفترية بمعناها المجازي ) , خرجت للنور مشاريع دفاتر غير
مألوفة حجما واخراجا , حاولت اعادة تدوين قصائد تراثية او حديثة . غالبيتها
حملت بصمة العمل الكرافيكي المفرد , رغم تجميع اكثر من عمل تحت مسمى دفتر .
وكان دفترا مخطوطا مجازيا, او مخطوط اثري مستعاد بمواصفات حديثة .
زمن التصدع :
.....................
الزمن العراقي , زمن غير مألوف ولا أليف , بما حمله من تصدع انساني وبيئي
عنيف . وما بين زمن القهر والكبت والدمار الدكتاتوري , وزمن الأنفلات الأهوج
لأسوء النوازع الأنسانية المسيسة ضمن زمن الفراغ السياسي والتخلف الأجتماعي .
اصبحت ظاهرة الدفاتر التشكيلية العراقية مشغولة بهذا الهم المؤرق لحد اللعنة
. رغم ضغط النص الأدبي المكتوب شعرا معظم الأحيان . هذا الشد ما بين النص
الشعري الوجداني ( الواخز ) والأثر البيئي المهدد بالدمار يبدو واضحا في
دفاتر التشكيلي (غسان غائب) .
التصدع,
ليس فقط تصدع الحائط او الأرض او الرصيف , ليس تصدع الهياكل الأنشائية (
المباني ) . التصدع مس بالدرجة الأولى الجسد . اجساد معروضة للدمار , للتهشيم
في بلدنا . ( غسان ) لم يغفل امرا كهذا . ولو بحدود الوثيقة المقروءة
والمصورة , كما في دفتره الثالث . وثائق شخصية مبعثرة ببصماتها وتقادم
ازمنتها , تحمل اختاما مألوفة للأنسان العراقي . اختام النفوس ( دائرة
الأحوال المدنية ) واختام العسكر. مرادفات ضيعت بلدا يود ان يكون امنا .
مرادفات او مضادات لم يغفلها الفنان في دفاتره الأربع الأولى , الوثائق
الأربع ( الكتاب الأول – عن الشخصيات والمكان , الكتاب الثاني – بغداد من
الجو , الكتاب الثالث – وثائق شخصية , الكتاب الرابع – الشهداء

في دفتره الثاني عن بغداد من الجو . لم يبتعد غسان كثيرا عن اطر اعماله
التقليدية الا بحدود ما تختلسه الخارطة من مساحات تنطمر اجزاء منها احيانا
بتضاريس ولعه المعماري الصبغي او التلصيقي , رغم خفته هنا . وفي دفتره
الرابع اشتغل على هيكلية السطوح بدلالة عنوان القصيدة ( باب الأبد ( 2) ,
هيكلية رافضة الأنغلاق الا بحدود ابوابها الهاربة والفضاء المشرع على الشهادة
. دفاتره الأخرى تقاسمت صفحاتها نصوص شعرية حديثة وقديمة و تشكيلات غسان
اللونية او لعبه على محموله التشكيلي بما توفره مساحة الورقة بحدود رقتها او
صلابتها او تداعيات سطوحها وفضاءاتها . وعلى ما يبدو فانها عصية على ملامسة
وجدانية القصائد وان بدت احيانا في حدود تفجرات النص الغاضب . هذا لا يعني
خلو هذه الدفاتر من ومضات توازي النص الشعري , او تكشف عن تفسيره الذاتي كما
يراه الفنان .
ان كان المحتوى يحتل المتن من الدفتر , فقد تم التعامل بالقصائد في حدود حيز
يكاد يكون منفصلا عن حاشيته التي جاءت كأعمال مستقلة تالية . ربما كان في نية
الفنان الأشتغال على مقابلات لنصوص مكتوبة واخرى تشكيلية في مسعى لمحاولة
تفكيك ادوات التشكيل بموازات بناءات نسقية معادلة لبناءات اللغة المنطوقة او
المقروءة . مسعى ليس بالهين الأتيان به . عمل كهذا ربما يتم تحقيقه بادوات
اخرى ( الفديو, مثلا ) او العمل المفهومي المبسط او العمل الأدائي الأيمائي.
اذ ليس من السهولة بمكان تشريح مغزى النص الشعري بمعادل تشكيلي خارج مألوف
معالجات الفنا ن المعني , ربما يتم ذلك في حالة تغيير ادواته التشكيلية او
اخلائها . وما يميز دفاتر غسان الشعرية ( معالجاته للقصائد الشعرية ) مقاربات
خفية تربط هذه الأعمال لبعضها من جانب امكانية اللعب على خلطها او توزيعها
من جديد ولأكثر من مرة . استثني من هذا بعض الشئ الدفتر السادس . وعلى ما
يبدو فان منجز الفنان الأستاتيكي الصلد نوعا ما لم يدع له فسحة من الأنفلات
من اسار الياته او مفرداته الطاغية . منجز ترعرع ضمن مجموعة تشكيلية تسترشد
ببعضها ولم تبتعد عما انجزته ( مثلا ) في معرض البيئة والمحيط في اواسط
التسعينات ( 3 ) . وهي قراءة تشكيلية احادية للمحيط والبيئة دون المساس
بتفاصيلها الواسعة . وفنان ك( غسان ) تنبأنا اعماله بقابلية اختراق هكذا
تفاصيل بيسر في حالة تحرره بعض الشئ من قيود فرضها هو او فرضتها ظروف التشكيل
العراقي ( الداخل (4 ) فدفتره الأول عن الأمكنة اوضح صورة لقابليته
الأنقلابية بما تضمن من مونتاج ذكي جمع المكان المألوف ووثائق ساكنية مثلما
جمع الأضداد العراقية المألوفة ( سكن الحياة وسكن الموت , القبور ) في معمار
متصدع الحدود .

ان كانت دفاتر ما بعد السقوط ( 5 ) تعويضا لجهد مستحيل , اومسلكا تشكيليا
تعويضيا ( وخاصة لفناني الداخل ) سواء تعدت صنعتها الدفاتر المألوفة ( صيغة
وحجما ) فانها حازت على مشروعيتها التشكيلية بنسبة فاقت وظيفتها ( طباعة ونشر
) واصبحنا نطلع على اعمال تشكيلية تحمل نعت التوريق خارج اطره المألوفة وبصيغ
هي الأخرى تحمل لا مألوفية زمنها . اعمال كهذه منحت التشكيلي مساحة تجريب
واسعة وبما متوفر لديه من مواد اولية متنوعة حاول حاهد تهشيمها بهاجس العنف
السائد . وميزة دفاتر غسان بمواصفاتها العملية , حجما وتركيبا , قابلة(
للطباعة ) في حال ان يتوفر لها الحاضن المناسب . وان لم تكن كلها تحمل نكهة
الدفتر الساحر فان بعضها لا يبتعد عن ذلك .
..........................................................................................................
1-
بالأمكان مراجعة صفحة الفنان على الأنترنيت :
www.4ghassan.com
2-
باب الأبد , عنوان لقصيدة مثبتة في هذا الدفتر .
3-
جماعة البيئة والمحيط , تجمع لتشكيليين عراقيين بأيحاء من الراحل شاكر حسن ال
سعيد والذي بامكاننا نعته بعراب الجماعة . عرضوا مشروعهم في المتحف الأردني
في عمان , حسب ما اتذكر ’ في عام (1998 ) . تناولت هذه المجموعة وبضمنها (
غسان غائب ) البيئة والمحيط كتجربة بلاستيكية اشاراتية .
4-
انعدام الدعم وشحة المواد وظروف العرض والطلب .
5-
سقوط بغداد في ( 9 نيسان ) عام 2003 , واختلاط مفردة السقوط والتحرر .
............................................................................................................
<
|